رأي

النخب السودانية والتفكير الرغائبي

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

رغم التطورات الدراماتيكية المذهلة التي شهدها المشهد السياسي السوداني عقب ثورة ديسمبر 2018م، وما قادت إليه من تحولات عميقة، إلا أنّ طرائق تفكير بعض النخب ما زالت حبيسة أنماط رغائبية تؤكد أنّ العقل النخبوي مأزوم إلى حدّ التخمة، ومتموضع في التاريخ، إذ يعجز عن التعاطي مع الواقع المعاصر، فضلاً عن عجزه عن استشراف المستقبل.

لقد لاحظت أنّ كثيراً ممن نطلق عليهم صفة المثقفين، ما يزالون محكومين بنوازع عاطفية وانتماءات ضيقة، على الرغم من ادعاءاتهم المتكررة حول قضايا السلام، والتحول الديمقراطي، والحكم الراشد. هؤلاء يملأون الفضاءات الإسفيرية ضجيجاً، ويسعون لشيطنة قوات الدعم السريع ومساواتها بجماعات الهوس الديني، ووصمها بالجنجويد، وضخ الأكاذيب، وترويج دعايات سوداء ضد قوات انحازت مبكراً للثورة الشعبية الباذخة، وكانت سبباً جوهرياً في نجاح ثورة ديسمبر، تلك التي يتمشدقون بها وكأنها ما كانت لتقوم لولا انحياز قوات الدعم السريع.

لقد تحولت قوات الدعم السريع إلى ما يشبه قوات تحرر وطني، وقدّمت تجربة نضالية تجاوزت كل تجارب حركات التحرر على امتداد التاريخ البشري، ووقفت ببسالة وجسارة منقطعة النظير في وجه الحركة الإسلاموية التي أشعلت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م. كما تصدّت لمليشيات جيش ونجت باشا، ذلك الجيش المخترق بواسطة المخابرات المصرية، والذي ظل مخلب قط لتدخلها في الشأن السوداني، والعصا الغليظة لقمع شعوب الهامش العريض، والحارس الوفي لمصالح مصر وامتيازاتها المغتصِبة في السودان. لقد مارس هذا الجيش، على مدى سبعة عقود، أقسى أشكال الاستغلال والبطش والانتهاكات والفساد والاستبداد، فيما ظلت بلادنا بلا بواكي تغسلها حمامات الدم المتواصلة.

إنّ الحقيقة الواضحة كالشمس في رابعة النهار، والتي شهد بها القاصي والداني، هي أنّ الحرب أشعلتها الحركة الإسلاموية البغيضة التي اختطفت جيش ونجت باشا، الجيش الذي تأسس قبل ميلاد الدولة السودانية المعطوبة بواحد وثلاثين عاماً، وذلك بهدف الإجهاز على قوات الدعم السريع خلال ساعات، لضمان استمرار حكم الإخوان واستنزاف موارد السودان وإذلال شعوبه الأصيلة. غير أنّ قوات الدعم السريع تصدت لهذه المؤامرة، وأبطلت مفعول السلاح، وخلقت توازن قوى سيفرض واقعاً جديداً على مستقبل السودان.

أما مسألة الانتهاكات، فهي كلمة حق أُريد بها باطل؛ إذ لا توجد حرب بلا انتهاكات. لكن المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم تقع على من أشعل الحرب، لا على من تصدى لها. وقد ظلّ قائد قوات الدعم السريع يردد دوماً دعوته للسلام، غير أنّ قوى الردة من مليشيات الجيش وكتائب الإسلامويين والدواعش ما فتئت ترفض وقف الحرب، وتعمل على توسيع رقعتها، وتنقض باستمرار كل الاتفاقات والمعاهدات المتعلقة بالسلام. وليس اتفاق المنامة إلا دليلاً شاخصاً على ذلك.

لذلك يحق لنا أن نطلق على قوات الدعم السريع لقب “قوات التحرر الوطني”، فقد تعاملت مع هذه الظروف بمسؤولية وطنية وأخلاقية، وسعت لتحقيق اختراقات مع حركات الكفاح المسلح، والقوى السياسية والمدنية والمجتمعية المؤمنة بالتغيير. وأسست دعائم تحالف السودان التأسيسي، وهو تحالف عريض مسنود بجماهير واسعة، استطاع أن يخاطب جذور الأزمة السياسية في السودان. ومضى هذا التحالف في اتجاه تشكيل حكومة تعبر عن أهل المصلحة الحقيقيين، وتمثل أطيافاً واسعة من الشعوب السودانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!