رأي

الملفات الكبرى لحكومة التأسيس!!

مها طبيق

مها طبيق

حكومة التأسيس في السودان مطالبة بوضع عقد اجتماعي جديد يعيد ترميم دولة أنهكتها الحروب والتدخلات . نجاح هذه الحكومة أو فشلها سيتوقف على مدى قدرتها على التعامل مع ستة ملفات مترابطة هي : البيئة ، إدارة الموارد ، قضايا الجندر ، التنمية ، فض النزاعات ، وفن التفاوض . أي تقصير في أحد هذه الجوانب خطر قد يهدد التجربة برمتها .

البيئة تبدو التحدي الصامت . فالتصحر والفيضانات وتدمير الأراضي الزراعية والنهب غير المنظم للغابات يهدد بجانب الطبيعة لقمة عيش ملايين السودانيين. إذا غاب الاهتمام بالبيئة ، فسيظهر نزاع جديد حول الأرض والمياه ، ينسف أي فرصة لتحقيق سلام وإستقرار المجتمعات .

أما الموارد فهي قلب الصراع . الذهب والنفط والزراعة والمياه لكونها مصادر دخل فهي محرك السياسة والنزاعات . إذا لم تُدار هذه الثروات بعدالة وشفافية ، فستتكرر نفس الحلقة القديمة : نخب تسيطر وهامش يُحرم . وفي حال لم تكسر الحكومة هذه المعادلة ، فإنها ستقع في شبكة فساد قديم ولكنها بوجه جديد .

قضية الجندر بدورها تتجاوز الشعارات . إشراك النساء والفئات المهمشة يعتبر مطلبًا حقوقيًا وشرط أساسي لبناء سلام واستدامة التنمية في البلاد . استمرار التهميش أو احتكار الملف عبر منظمات خارجية أو نخب معزولة ، سيعيد إنتاج نفس هشاشة المجتمع وصراعاته . حكومة لا تضع العدالة الجندرية ضمن مشروعها ، ستخسر شرعيتها أمام نصف المجتمع الوطني والمجتمع الدولي .

التنمية هي معركة وجود . التعليم والصحة والبنية التحتية أساس بقاء المجتمع . إذا لم تعتمد حكومة التأسيس خطة تنموية مستقلة عن ضغوط المانحين ، فستظل عالقة في أزمات متكررة . غياب التنمية يعني اقتصاد هش ، ونزوح متزايد ، وشباب بلا مستقبل .

وعندما نصل إلى ملف النزاعات والتفاوض ، يصبح التحدي أكبر . فبلد تتعدد فيه الحركات المسلحة والجهات الخارجية الداعمة لها ، يحتاج إلى رؤية تفاوضية شاملة وعادلة . الاتفاقات الجزئية أو الحلول المؤقتة لن تحقق السلام ، وإنما ستؤجل اندلاع الحرب القادمة .

كل هذه التحديات تصب في يد حكومة التأسيس ، التي يمكن وصفها بالرهان الأخير . تجاهل هذه الملفات أو إدارتها بسطحية سيقوض الأساس الذي يُفترض أن تُبنى عليه الدولة الجديدة . ورغم ضيق الوقت ، ونقص الكفاءات ، ومقاومة النخب القديمة ، إلا أن الخطر الأكبر يظل في غياب رؤية استراتيجية واضحة . الحكومة إذا لم تتحول إلى قيادة استباقية ترى الصورة الكاملة وتدير الأزمات بتكامل ، فإن مشروع التأسيس سيتبخر كما حدث مع تجارب انتقالية سابقة .

إن التغاضي عن هذه الملفات المصيرية يعني ضعف وخيانة لتضحيات السودانيين الذين خرجوا طلبًا للتغيير . مستقبل حكومة التأسيس مرهون بمدى جديتها في التعامل مع البيئة والموارد والجندر والتنمية والصراعات . وإن لم تفعل ، فإنها ستعيد إنتاج الفشل ذاته : حكومات تأتي وتذهب ، بينما يبقى البلد يراوح مكانه ويتراجع إلي مستويات أسوء .

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!