
اجعلوا الرحمة أول قراراتكم :
خرجت أنباء عن عزم حكومة ولاية نهر النيل على طرد الجنوبيين وإبعادهم إلى دولة جنوب السودان . خبرٌ موجع ، يضعنا جميعاً أمام مرآة قاسية وإمتحان وطني خطير ، كيف نرضى أن تُقتلع أسر من جذورها لمجرد أنها تحمل هوية مختلفة ؟ كيف نصمت على قرار لا يعكس ديناً ولا أخلاقاً ولا إنسانية ؟
إن هؤلاء الجنوبيين ليسوا غرباء عن تراب السودان وإنما عاشوا بيننا ، عملوا معنا ، واقتسموا معنا اللقمة والهمّ والأمل . قرار كهذا لا يضيف شيئاً للوطن غير الجراح ولا يترك في الذاكرة إلا مرارة النسيان والإقصاء ويدوس على اخلاقيات وقيم ورثناها منذ قدم التاريخ .
لكن ، وسط هذه العتمة ، يلوح بصيص نور من جهة حكومة التأسيس ، التي أقسم رئيسها اليمين قبل أيام . هنا ، يقف الشعب مترقباً ، منتظراً أن يعلن قادتها أول قراراتهم : فتح الأبواب للأشقاء المطرودين ، وبأن يختاروا أي بقعة تحت حكم تأسيس ليقيموا عليها ، لأنهم يستحقون الاستقبال ولانهم اهلنا وليس غرباء ولا ضيوف ، انهم أبناء هذا الوطن الواحد . هذه الخطوة وحدها كفيلة بأن تكتب بداية مختلفة ، بداية تُبنى على الأخوّة لا الإقصاء ، على الرحمة لا الطرد ، على الوحدة والأخلاق السودانية .
إن هذا النداء هو دعوة إلى أن يكون السودان وفياً لتاريخه ، ولقيمه ، لرسالته الإنسانية . فالأمم تُقاس بمواقفها في لحظات الشدة ، وقرار الترحيب سيكون شاهداً أن حكومة التأسيس اختارت أن تبدأ عهدها بما يليق بالضمير الحي لهذه الأمة .
يا حكومة التأسيس ، يا من علق الناس عليكم رجاءهم ، لا تسمحوا أن يُسجل التاريخ أنكم بدأتم بالصمت حيث كان الواجب أن تتكلموا . اجعلوا من الرحمة أول قراراتكم ، ومن الوحدة أول أفعالكم ، ومن الإنسانية أول مبادئكم . فالسودان يبنى بأذرع مفتوحة وقلوب واسعة خاصة في هذه الأوقات .




