رأي

تأملات في الفكر والسياسة!!

عبدالرحمن الحوار

الفكرة الاساسية

عبدالرحمن الحوار

في برنامج الحزب الشيوعي السوداني المعلن كانت تتركز حول ان السودان يحتاج اولا ( حتي قبل الأشتراكية ) ان يمر بمرحلة ( الثورة الوطنية الديمقراطية ) . بمعني ان الحزب الشيوعي السوداني بحسب قيادته السياسية لم يكن ينشد تطبيق الثورة الاشتراكية اولا وفرضها علي الواقع السوداني بالقوة كما حدث في اليمن الجنوبي او كوريا الشمالية او إثيوبيا المانغستوية او فرضها بالقوة كما حاول ضباط الحزب الشيوعيون : هاشم العطا وبابكر النور والحردلو عندما انقلبوا علي نميري وورطوا قيادتهم السياسية التي اضطرت الي مجاراتهم مكرهة ودفعت ثمن ذلك باعدام عبد الخالق محجوب والشفيع احمد الشيخ وآخرين . كان الشيوعيون السودانيون الأوائل يؤمنون بان علي الحزب ان يوسع نفوذه في المجتمع وفي النقابات وبالتالي الوصول الي السلطة عبر الانتخابات ( علي الاقل هذا ماظهر للناس من قراءة برنامجه السياسي ) .. الحزب لم يؤمن ايضا بالوصول للسلطة وفق سيناريو تجربة الاتحاد السوفييتي نفسه عندما انقلب البلاشفة علي الحكم الامبراطوري القيصري . لان ماعرف بالثورة البلشفية الكبري في 1917 كانت في الحقيقة عبارة عن ( انقلاب عمالي ) علي ثورة كانت قائمة بالفعل ضد الحكم القيصري وكانت تضم كل الطبقات تقريبا التي لها مصلحة في التحول المدني الديمقراطي الذي كان يسعي الي تحويل روسيا الي جمهورية وليس إمبراطورية قيصرية … وقامت بالفعل في روسيا حكومة وطنية بقيادة ( كرينسكي ) قبل ان يطيح بها البلاشفة اللينينيون . ماقام به غورباتشوف لاحقا ( بعد سبعة عقود من الحكم الشيوعي ) هي محاولة جبارة لإرجاع الثورة الي أصلها… باعتبارها شأنا ينبغي ان يشترك فيه الجميع وليس فقط العمال … بمعني لاينبغي ان يحكم العمال فيما سماه لينين ( دكتاتورية البروليتاريا ) … واظن ان تروتسكي نفسه ولاحقا غورباتشوف وغيرهم كانوا يؤمنون بان علي الحزب الشيوعي ان يدخل في منافسة ديمقراطية مع غيره من القوي السياسية و ان يأتي الي الحكم بشكل ديمقراطي انتخابي وان البرجواوية نفسها يمكنها ان تلعب دورا رئيسيا في التقدم . فالثورة الفرنسية مثلا كانت في جوهرها عبارة عن ثورة برجوازية … ثورة الطبقة الراسمالية الصاعدة ( راسمالية صناعية ، راسمالية تجارية ، راسمالية مالية بنكية …الخ ) … ومن البديهي للغاية ان (كوميونة باريس ) التي حكمت باريس لمدة وجيزة لاتتعدي الاشهر كانت مجرد انتفاضة للعمال والفقراء والجوعي ماكان لها ابدا ان تنجح وماكان لها ابدا ان تنجز الثورة كون هذه الكوميونة لم تكن سوي ( تطفل ) علي الثورة الأصلية( الثورة البرجوازية الكبري ) وهو الاسم الرسمي في الحقيقة للثورة الفرنسية ..وكل الثورات اللاحقة التي حدثت في أوروبا ايام فورة النهضات الصناعية والتجارية والفتوحات الاستعمارية ( بداية ظهور الامبريالية ) كانت جميعها ثورات برجوازية في الحقيقة وكان من المفترض ان تكون الثورة الروسية نفسها ثورة بورجواوية ( روسيا كانت متخلفة صناعيا وتكنولوجيا عن دول الغرب الاخري ) … ولكن البلاشفة ( الثائرين والمستعجلين ) سرقوا الثورة واحدثوا انقلابا عماليا هائلا اسموه ( دكتاتورية البروليتاريا ) وقمعوا كل الطبقات الاخري التي كانت بدورها تسعي في الحقيقة الي التغيير . البلاشفة اللينينيون استغلوا هزيمة روسيا في الحرب العالمية الاولي وفساد الامبراطورية الروسية والخراب الاقتصادي الناتج ونغمة الجنود المنهزمين والفقراء مما ساعد فعلا في نجاح ثورتهم جماهيريا ولكن بثمن غال جدا وحروب اهلية ضخمة خاضوها قبل ان يستتب لهم الامر اخيرا .. كانت الثورة الروسية هي اول ثورة شيوعية مرتكزة بالكامل علي الفلسفة الماركسية واول محاولة عملية لتطبيق هذه الفلسفة في الدولة وفي المجتمع ، الامر الذي غير مجري تاريخ العالم في المائة سنة المنصرمة . السؤال الفلسفي المركزي هنا هو الاتي : هل كان قد حان فعلا وقت القيام بالثورة الشيوعية كما تنبأ بها ماركس ام ان ماجري كانت مجرد انقلابات امتطت ظهر النظرية الماركسية قبل ان تتوفر شروط تطبيقها ؟؟؟. . المغزي هنا ان ماركس نفسه كان يراهن ليس علي روسيا ( كانت بعيدة عن تفكيره ) …فهو كان يراهن علي ان الثورة ستشتعل اولا في انجلترا اوالمانيا او الولايات المتحدة بحكم ان الراسمالية فيها كانت اكثر تطورا ولكنه لم يحدد ابدا وقتا بعينه …بل افترض انه في مرحلة ما من تطور الراسمالية ستحدث (طفرة ) تقود الي ثورة اشتراكية تمهد لاحقا الي المرحلة الشيوعية الكاملة التي ستنتهي عندها الطبقات و سينتهي عندها الصراع الطبقي نفسه كمحرك اساسي للتاريخ وتنتهي بالنتيجة الدولة نفسها باعتبارها جهاز لهيمنة الطبقة المسيطرة . فهل بلغت روسيا في تلك الفترة ( 1917 ) ذلك المستوي من التطور الراسمالي الذي يبرر قيام الشيوعية فيها ؟؟… طبعا لا والف لا . نخلص من كل ذلك ان لا مستوي تطور القوي العاملة في السودان ابان الخمسينات والستينات ولا مستوي القوي العاملة في كل دول العالم الثالث الخارجة من الاستعمار كان يبرر الحاجة الي قيام احزاب شيوعية وانما كانت تلك البلدان بحاجة الي احزاب وطنية اصلاحية تقودها طبقة وسطي وطنية تمكن تلك البلدان من استكمال عناصر الاستقلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي . فشل كل الاحزاب الشيوعية في العالم بأسره وليس فقط العالم الثالث يعزي بشكل اساسي الي ( حرق المراحل ) … فالراسمالية في الحقيقة مازالت في عنفوانها ومازال أمامها الكثير لتنجزه (فاقتصاد العالم مازال يحركه الربح ومازال يسعي بنهم الي انتاج فائض القيمة عبر استغلال العمل الماجور ) . ففي الدول النامية التي مازالت تتلمس طريقها فانه ببساطة لايمكن إقامة حزب ( شيوعي ) يعتمد علي طبقة لم تتكون اصلا ( الطبقة العاملة ) والتي هي بحاجة الي طبقة اخري لتصارعها ( الطبقة البرجواوية ) التي هي في طور التكوين !! … بمعني ماكان من الضروري ( تاريخيا ) ان ينشأ حزب شيوعي سوداني اصلا … بالكثير كان من الممكن ( بتحفظ ) هضم فكرة قيام ( حزب اشتراكي ) ولكن فكرة قيام حزب شيوعي مرة واحدة فهذه كانت ومازالت فكرة صعبة الهضم وغير قابلة اصلا للنجاح لانعدام قاعدتها المادية . والنتيجة الان ان شيوعيى السودان تحولوا الي محض كيزان وكل الفرق بين الكيزان أصحاب الاسم والشيوعيين الذين تكوزنوا هو ان الأخيرين استبدلوا الايات القرآنية ب ( رطانات ايديولوجية ) لاعلاقة لها اصلا باي واقع حقيقي او افتراضي . النتيجة العامة التي يمكن الوصول اليها انه من المستحيل الوصول الي مرحلة الاشتراكية ناهيك عن مرحلة الشيوعية دون المرور بمرحلة الراسمالية… فكل مافعلته روسيا بعد كل تلك الملاحم والمغامرات الشيوعية ، انها رجعت مرة اخري لطريق ( التطور الراسمالي ) . و الصين بعد مخاض طويل مع مغامرات (ماو تسي تونغ ) وتجارب ثورته الثقافية وفظاعات عصابة الأربعة التي قادتها ارملته ، جاء لانقاذها ذلك الرجل القصير الحكيم الذكي ( تنغ هسياو بينغ ) الذي ارجع الصين الي صوابها وحولها الي ( راسمالية دولة ) وزعت القيم الاضافية التي انتجها اقتصادها الراسمالي علي المجتمع بطريقة عادلة لحد كبير بعكس الراسماليات الغربية المتوحشة التي حصرت ثروتها في ايدي حفنة قليلة من المليارديرات . الصين استفادت فعلا من التطور العلمي و التكنولوجي الذي بلغه الغرب واستعادت الروح الأصلية للحضارة الصينية العريقة وكذلك فعلت اليابان التي هضمت كل العلوم والتكنولوجيا بنفس صرامة وتقاليد وروحية الساموراي مما سمح لشعبها بالعيش في رفاهية وتطور يحسد عليه. وعلي نهج الصين واليابان نهضت النمور الاسيوية .

مرحلة الراسمالية نفسها قد تقود الي شكل آخر يختلف جذريا عن ما تنبأ به ماركس … قد تقود الي عصر يسيطر فيه الذكاء الصناعي و يبدأ ما يمكن تسميته بعصر ( حكم الالات الذكية ) علي نحو شبيه بثلاثية الفلم الأمريكي الذائع الصيت ( ماتركس ).

ولكن الارجح ان السعي نحو فكرة تحقيق العدالة الاجتماعية و فكرة المحافظة علي كرامة الجنس البشري ورفاهيته ، لن تموت .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!