رأي
النساء — أولويات في طريق حكومة السلام والوحدة الوطنية؛ العدالة والمساءلة (٩-١٠)
د. فاطمة الزين الغالي

مفهوم العدالة والمساءلة وأهميتهما للنساء الخارجات من الحروب
العدالة تعني إنصاف الضحايا، ورد الحقوق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. أما المساءلة فهي آلية قانونية ومجتمعية تضمن عدم الإفلات من العقاب، وتُعزز الثقة في المؤسسات. بالنسبة للنساء الخارجات من الحروب، يمثل هذان المبدآن طوق نجاة، إذ يتيحان لهن استعادة الكرامة المهدرة، معالجة آثار العنف الجنسي والجسدي، والحصول على تعويضات مادية ومعنوية.
إن وجود نظام عدالة ومساءلة فعال يسهم في بناء مجتمعات معافاة، ويمنع تكرار الانتهاكات، ويضع الأساس لسلام عادل ومستدام. كما يمنح النساء الثقة للعودة إلى الحياة العامة والمشاركة في إعادة البناء.
كيفية تحقيق العدالة والمساءلة
1.العدالة الجنائية: محاكم خاصة أو مختلطة لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والانتهاكات الجنسية والجسدية ضد النساء.
2.العدالة الانتقالية: لجان الحقيقة والمصالحة لتوثيق الانتهاكات وإعطاء الضحايا فرصة لسرد قصصهن.
3.جبر الضرر: تعويضات مالية، برامج علاج نفسي واجتماعي، وفرص تعليم وتوظيف للناجيات.
4.الإصلاح المؤسسي: إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية لتصبح أكثر شفافية وعدالة، وضمان تمثيل النساء فيها.
5.التشريعات: سن قوانين تحمي النساء من العنف والتمييز وتضمن وصولهن للعدالة بسهولة.
التجارب العالمية الناجحة
•جنوب أفريقيا: لجنة الحقيقة والمصالحة قدمت نموذجًا لكيفية توثيق الانتهاكات ومنح الضحايا صوتًا في عملية التحول.
•رواندا: اعتمدت نظام “غتشاتشا” (محاكم مجتمعية) لتحقيق العدالة لضحايا الإبادة، وأسهمت النساء في إدارتها.
•تشيلي والأرجنتين: آليات العدالة الانتقالية ركزت على إنصاف ضحايا الاختفاء القسري، بمن فيهم النساء، وأعادت الثقة بالمؤسسات.
•سيراليون: المحكمة الخاصة جرّمت العنف الجنسي كجريمة حرب، ما شكّل سابقة مهمة في إنصاف النساء.
أهمية تكامل الموارد المحلية والدولية
تحقيق العدالة والمساءلة يتطلب تكاملاً واضحًا:
•الموارد المحلية: القوانين الوطنية، المحاكم، المؤسسات العدلية، والمجتمع المدني، لضمان ملكية محلية للعملية.
•الدعم الدولي: الخبرات الفنية، المراقبة، التمويل، والمساعدة في التحقيقات الجنائية، خصوصًا في الجرائم الكبرى.
•الشراكة المجتمعية: الاستفادة من الهياكل التقليدية والدينية لتعزيز المصالحة وبناء الثقة.
هذا التكامل يضمن أن تكون العدالة واقعية، مقبولة ثقافيًا، ومرتبطة بمعايير حقوق الإنسان العالمية.
خاتمة
العدالة والمساءلة ليستا مطلبًا قانونيًا فحسب، بل أساسًا لإعادة بناء مجتمع سليم ومعافى بعد الحرب. بالنسبة للنساء، تمثلان إعادة اعتبار لكرامتهن المهدرة وضمانًا لعدم تكرار الانتهاكات. حكومة السلام والوحدة الوطنية أمامها فرصة تاريخية لتبني مقاربة شاملة للعدالة، تقوم على التكامل بين الموارد المحلية والدعم الدولي، وتفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية وعدالة انتقالية تؤسس لسلام دائم. فالعدالة للنساء هي العدالة للمجتمع بأسره.
نواصل




