رأي

السودان… طاقات بشرية تبحث عن منصة للنهوض

إبراهيم الشيخ بشارة

 

 إبراهيم الشيخ بشاره

يمتلك السودان، ودارفور على وجه الخصوص، واحدة من أكبر القواعد السكانية الشابة في إفريقيا. غير أنّ هذه الطاقة الهائلة لا تزال خارج دائرة الاستثمار الحقيقي، رغم أن تجارب العالم أثبتت أن الإنسان—not الموارد الطبيعية—هو العنصر الفاصل في مسار التنمية.

ثروة الإنسان… مورد لم يُستثمر بعد

على مدى سنوات، انشغل الخطاب العام في السودان بالحديث عن الذهب، والمراعي، والأراضي الواسعة، بينما بقي المورد الأهم، وهو الطاقة البشرية، مؤجلاً في آخر قائمة الأولويات.

فالواقع يشير إلى أن عشرات الآلاف من الشباب يمتلكون مهارات مهنية، وحرفية، وتجارية، بعضها تشكّل بصورة تلقائية في بيئات صعبة، لكنّها ظلت تعمل دون إطار مؤسسي قادر على تحويل الجهد الفردي إلى قيمة اقتصادية.

دارفور… نموذج لطاقات معطّلة وليست غائبة

ورغم التحديات الأمنية والاقتصادية، حافظ مجتمع دارفور على مخزون كبير من المهارات:

خبرة واسعة في سلاسل الإمداد وتجارة الحدود.

مهارات إنتاجية في الزراعة والرعي والصناعات التقليدية.

قدرة عالية على التكيف والعمل في ظروف قاسية.

لكن هذه المزايا تعمل اليوم خارج النظام الاقتصادي الرسمي، ما يحول دون تحويلها إلى قوة إنتاجية قادرة على دعم النمو الوطني.

غياب المنصة… وليس غياب القدرات

المشكلة ليست في نقص الكفاءات، بل في غياب المؤسسات التي تستطيع:

تدريب الطاقات الشابة وفق احتياجات السوق.

تنظيم الإنتاج المحلي وتحويله إلى مشروعات قابلة للتمويل.

دمج المهارات التقليدية في سلاسل القيمة الحديثة.

فبدون هذه المنصات، يبقى الشاب المنتج فاعلًا على نطاق محدود، وتظل المرأة العاملة في الأسواق التقليدية جزءًا من اقتصاد غير رسمي لا يضيف ما يكفي إلى الناتج المحلي.

التحول يبدأ من إعادة تعريف التنمية

التنمية ليست معونات ولا مشروعات مؤقتة، بل تشغيل للقدرات وبناء بيئة تجعل من الإنسان محورًا للاقتصاد.

وقد أثبتت التجارب العالمية أن المجتمعات التي استثمرت في التدريب، وربطت التعليم بسوق العمل، وأوجدت تمويلًا صغيرًا منظّمًا، استطاعت خلال سنوات قليلة الانتقال من اقتصاد هش إلى اقتصاد منتج.

فرصة جديدة… وجيل جديد

يمتلك السودان اليوم جيلًا واسعًا من المتعلمين والمهنيين، وجيلًا آخر من أصحاب الخبرات التقليدية. الجمع بينهما داخل إطار مؤسسي واحد يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق حقيقية لاقتصاد أكثر ثباتًا وقدرة على النمو.

فالطاقات موجودة، والدافع موجود، وما تحتاجه البلاد هو حاضنة تستوعب هذا المخزون البشري قبل التفكير في أي خيارات اقتصادية أخرى.

خاتمة

إن مستقبل السودان لن يُبنى على محيط من الثروات الطبيعية وحدها، بل على قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الإنسان إلى مركز عملية التنمية.

ولو تم توجيه 10% فقط من جهد الدولة والمجتمع إلى تشغيل الطاقات الشابة وتدريبها وتمويل مبادراتها، فسيكون لذلك أثر يتجاوز ما تحدثه أي موارد باطنية.

فالنهضة تبدأ من الإنسان… وما لم نبنِ منصة لهذا الإنسان، ستظل الثروات الأخرى بلا قيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!