
مؤيد الأمين
مقدمة
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، يعيش الشعب السوداني واحدة من أعقد المآسي الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث. وبينما تتنوع الأطراف المنخرطة في الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، برز دور الإسلاميين – أو ما يعرف محلياً بـ الكيزان – كقوة سياسية تحاول استثمار الحرب وتطويل أمدها.
لقد رفض الإسلاميون بشكل واضح أي مبادرات لوقف إطلاق النار، مقدمين خطاباً مزدوجاً؛ ظاهره الدفاع عن “كرامة السودان” وباطنه السعي لاستعادة نفوذهم السياسي الذي فقدوه بعد سقوط نظام البشير في 2019.
الشرارة الأولى: كيف وُضع الجيش أمام الأمر الواقع؟
مع بداية الاشتباكات في 15 أبريل 2023، كان واضحاً أن الجيش السوداني لم يكن في حالة استعداد كامل. فوفقاً لتقارير سودان تريبيون (أبريل 2023)، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة السريعة على مواقع استراتيجية مثل مطار مروي، وقواعد عسكرية في دارفور والخرطوم.
هذا الانهيار الجزئي كشف أن القيادة العسكرية لم تكن تملك خطة مواجهة واضحة. وهنا برز الإسلاميون الذين كانوا جزءاً من الأجهزة العسكرية والأمنية لعقود، فدفعوا الجيش نحو مواجهة لم يستعد لها. بل إن بعض المراقبين، مثل الباحث أليكس دي وال (مجلة African Arguments، مايو 2023)، أشاروا إلى أن الإسلاميين هم من ضغطوا داخل المؤسسة العسكرية لرفض أي حلول سياسية مع الدعم السريع قبل الحرب، لإشعال المواجهة.
التزييف الإعلامي: الإسلاميون أبطال من ورق
مع سقوط المواقع الاستراتيجية، بدأ الإسلاميون حملة إعلامية مكثفة. سيطروا على منابر إعلامية داخلية وصفحات ممولة على وسائل التواصل، ورفعوا شعار “المعركة من أجل الكرامة”.
لكن وفقاً لتقرير BBC عربي (يوليو 2023)، فإن خطابهم تجاهل تماماً أن سنوات حكمهم (1989-2019) هي التي أضعفت مؤسسات الدولة وأفسحت المجال لظهور مليشيات مثل الدعم السريع. ومع ذلك، استمروا في تسويق أنفسهم باعتبارهم “المنقذ” الوحيد، في محاولة لإعادة إنتاج نفس صورة الحامي التي اعتادوا الترويج لها خلال حكم البشير
لماذا يرفض الإسلاميون وقف الحرب؟
1. استعادة السلطة المفقودة
منذ سقوط نظام البشير، يعيش الإسلاميون حالة عزلة سياسية. لكن مع الحرب، وجدوا فرصة للعودة. ففي سبتمبر 2023، صرح علي كرتي (الأمين العام للحركة الإسلامية) في تسجيل صوتي مسرب نقلته الجزيرة بأن “المعركة الحالية مصيرية، ولا يمكن أن تتوقف قبل دحر المليشيات”. هذا التصريح عكس بوضوح رغبتهم في استمرار الحرب كجسر للعودة للسلطة.
2. حماية المصالح الاقتصادية
خلال حكمهم، أسس الكيزان شبكات اقتصادية ضخمة تشمل شركات الذهب، البنوك، والاستيراد. تقرير هيومن رايتس ووتش (ديسمبر 2023) أشار إلى أن شبكات التمويل المرتبطة بالإسلاميين ازدهرت في ظل اقتصاد الحرب عبر التهريب وبيع السلاح. وقف الحرب يعني عودة الدولة المدنية واحتمال فتح ملفات الفساد، وهو ما يخشونه.
3. استغلال الفوضى الأمنية
الحرب بالنسبة للإسلاميين ليست مجرد صراع عسكري، بل بيئة مناسبة لإعادة زرع عناصرهم في الجيش والأمن. وفقاً لتقرير مجموعة الأزمات الدولية (يناير 2024)، فقد عاد كثير من الضباط المحسوبين على الحركة الإسلامية لتصدر المشهد داخل المؤسسة العسكرية مع استمرار القتال. وقف الحرب كان سيقطع عليهم هذا الطريق.
4. خطاب وطني لتبرير مصالح حزبية
يروج الإسلاميون لخطاب أن الحرب دفاع عن “كرامة السودان” ضد مشروع خارجي. لكن تقرير الأمم المتحدة لمجلس حقوق الإنسان (يونيو 2024) أكد أن استمرار القتال أدى إلى سقوط أكثر من 15 ألف قتيل ونزوح ملايين، وهو ما يكشف زيف هذا الخطاب.
الإعلام الإسلاموي: أداة لتكريس الحرب
منذ اندلاع الحرب، وظف الإسلاميون إعلامهم لتشويه أي مبادرة سلام. ففي نوفمبر 2023، رفضوا مبادرة “إيغاد” لوقف إطلاق النار، ووصفوها بأنها “استسلام للأجنبي” (سودان تريبيون). كما شنوا حملة ضد ناشطين مدنيين وصفوهم بـ “خونة الوطن” لمجرد دعمهم لجهود الوساطة.
هنا يظهر بوضوح أن الإعلام ليس أداة للتنوير، بل سلاح لإطالة الحرب.
لعبة مزدوجة: بين الجيش والدعم السريع
رغم إعلان الكيزان دعم الجيش، إلا أن بعض التقارير أشارت إلى وجود تواصل بين أجنحة إسلامية وقوات الدعم السريع قبل الحرب. تقرير رويترز (مايو 2023) أشار إلى أن بعض رجال الأعمال الإسلاميين كانوا على صلة تجارية بقادة في الدعم السريع. هذه الازدواجية تعكس أن هدفهم الأساسي ليس الانتصار للجيش، بل الاستثمار في الفوضى لضمان موقع متقدم في أي تسوية مستقبلية.
المدنيون: الضحية الأكبر وورقة الإسلاميين
تقرير العفو الدولية (فبراير 2024) وثّق مقتل وتشريد الآلاف من المدنيين في دارفور والخرطوم. لكن بدلاً من السعي لحمايتهم، وظّف الإسلاميون هذه المأساة للترويج لأنفسهم كقوة وحيدة قادرة على “إنقاذ الشعب”. هذا الاستغلال الممنهج لمعاناة المدنيين حول الحرب إلى ورقة ضغط سياسية رخيصة.
المجتمع الدولي وموقف الإسلاميين
رغم ضغوط الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لإيقاف القتال، ظل الإسلاميون يرفضون أي تدخل. علي الحاج، القيادي الإسلامي، صرح في مؤتمر صحفي (الخرطوم، يناير 2024) بأن “كل مبادرة خارجية هدفها تدمير السودان”. لكن مراقبين، مثل مركز الدراسات الاستراتيجية بالدوحة (2024)، يرون أن هذا الموقف مجرد تكتيك لإبقاء الحرب مشتعلة حتى يفرضوا أنفسهم على طاولة التفاوض.
الخلاصة
الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع عسكري بين الجيش والدعم السريع، بل أصبحت انعكاساً لصراع الإسلاميين من أجل العودة للسلطة.
لقد أطلقوا الرصاصة الأولى وهم يعلمون أن الجيش غير مستعد، واستثمروا في دماء السودانيين ليروجوا لأنفسهم أبطالاً زائفين. رفضهم لوقف الحرب ليس موقفاً وطنياً كما يزعمون، بل هو استراتيجية باردة تهدف إلى:
إعادة السلطة المفقودة.
حماية مصالحهم الاقتصادية.
إعادة التموقع داخل المؤسسات الأمنية
استغلال معاناة المدنيين لتلميع صورتهم.
لكن الحقيقة التي باتت واضحة أن الشعب السوداني، الذي دفع أثماناً باهظة، لم يعد يصدق شعاراتهم، وأن أي سلام حقيقي يجب أن يُقصي القوى التي تعتاش على الحرب وتوظفها لمصالحها الخاصة.




