رأي

حين يرحل الكبار بصمت… زريبة نموذجاً رثاء للدكتور إبراهيم زريبة شهيد العلم و الأمل

بهرام المنا

فجعنا برحيل الدكتور إبراهيم زريبة… ولم تهتز الأرض، ولم تتوقف الأخبار، ولم يُعلن الحداد.
لكننا نحن، الذين عرفناه، نحمل في صدورنا زلزالاً لا يُرى، ونزيفاً لا يُسمع، ووجعاً لا يُداوى.

زريبة لم يكن رجلاً عابراً في زمنٍ عابر.
كان فكرةً تمشي على الأرض، وكان مشروعاً لوطنٍ يُولد من رماد الخراب.

كان بوابة السودان نحو الاعتراف، نحو الحلم، نحو الدولة التي نحلم بها ونسعاها .

بفضل جهده، اعترف الاتحاد الأفريقي بـ”قمم”، وفتحت الإيقاد أبوابها، وبدأت أوروبا تسمع صوتنا. يجادل الإفرنج بعلمه و دهاءه

لكنه لم يتباهَ، لم يتصدر الأضواء ، لم يطلب شيئاً لنفسه.
كان زاهداً، متواضعاً مقامه و مسكنه سكن الراحلين ، خجولاً، ذكياً ذكاءً فطرياً لا يُشبه أحداً، مخلصاً حدّ الذوبان، هاشاً باشاً كالطفل الرضيع كأنما يحمل في قلبه عيداً دائماً .

رافقته في أديس أبابا وأوغندا، ثلاثة أشهر كانّها رحلة علي مركب ( الخضر و موسي ) دهراً في بحر العلم .
تعلمت منه كيف يُبنى الوطن بالفكرة، بالعلم . بالإيمان
كيف يُصان بالخلق، لا بالشعارات. و البدلات
كيف يُنهض بالعدل و العمل الجاد

كان مهموماً و مهووساً بمعاناة مجتمعاتنا لدرجة انه يلوم نفسه دوماً علي حال الناس و بؤسهم و يبكي لمعاناتهم و يقضي الليالي سهراً يسكب عصارة علمه بيراعه تخطيطاً بأفكار لم تخطر علي بالنا و لن نستوعبها بعد قرون إسهاماً منه لبناء وطن معافي من كل الأمراض

إلا انه استقال قبل عام، لأسباب صحية، لكنه لم يستقل من الوفاء، ولا من الحلم.
اختار أن يذوب بهدوء، بعيداً عن ضجيج الهم العام، كأنما أراد أن يرحل دون أن يُزعج أحداً…
واليوم، رحل فعلاً.
رحل وترك فينا جرحاً لا يُشفى، وغياباً لا يُملأ، ووجعاً لا يُقال.

وما أصدق قول الله تعالى:
“إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” (الزمر: 10)
فإن كان للصبر عنوان، فقد كان زريبة أحد فصوله النادرة.

الموت حق، نعم.
لكننا إن أردنا تأسيس دولة حقيقية، فعلينا أن نُكرم علماءنا، أن نحفظهم أحياءً وأمواتاً، أن نُخلّدهم في ذاكرة الوطن لا في هامش النسيان.

تعازينا لاسرته الصغيرة المكلومة و لعشيرته و اصدقائه
و تمتد تعازينا الحارة للمشير حميدتي رئيس المجلس الرئاسي، وللفريق عبدالرحيم قائد ثاني ، وكل من عرفه أو استفاد من علمه.

وداعاً زريبة…
كنت نموذجاً حين كنت بيننا، وها أنت نموذجٌ حين ترحل.
رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل علمك صدقةً جارية، وسيرتك نبراساً لنا نبني بها وطناً ان كان لنا عمراً باذن الله .

اللهم إن زريبة قد جاءك خفيفاً من الدنيا، ثقيلاً بالخير، فاجعل له في جناتك منزلاً يليق بمن خدم وطنه بصمت، وأحب شعبه بصدق، دون أن يطلب جزاءً ولا شكوراً.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واملأه نوراً ورضاً وسكينة، واربط على قلوبنا

عذراً لم و لن استطع ان أرثيك ولكن ذكراك باقية فينا مابقينا

صديقك و اخيك الصغير
بهرام المنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!