رأي

في بساطة الأرض و الفراش.. لا تضيعوا أحلام السودان

عبدالله محمد ادم - كمبالا

في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات الثورات وصدقها، اجتمع مجلس وزراء حكومة “تأسيس” برئاسة محمد حسن التعايشي، وحضره القائد محمد حمدان دقلو، جالسين على “بروش” محلية الصنع مفروشة على الأرض . كانت الصورة رسالة قوية مفادها: ان نحن شعب يواجه التحديات، وحكومة تدرك حجم الكارثة، فلا رفاهية قبل استعادة الحقوق وبناء المدارس و المستشفيات. هذه الرسالة، رغم جمالها ورمزيتها، تضع على عاتق القادة مسؤولية تاريخية؛ فالشعب السوداني الذي عاصر تجارب سابقة رأى كيف تتحول الشعارات النقية إلى ممارسات فاسدة، وكيف تتحول البساطة المزعومة إلى قصور مشيدة خارج البلاد.
إن الجلوس على الأرض في أول اجتماع لحكومة ثورية ، ليس مجرد صورة، بل هو عهد يجب أن يترجم إلى أفعال، فلقد أعلن تحالف “تأسيس” أن من بين مهامه الأساسية هو إيقاف الحروب وإنهاؤها، تحقيق السلام العادل والمستدام، وتأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة” . هذه كلمات عظيمة تتطلب ترجمة على أرض الواقع، حيث يعاني المواطن من انهيار شامل في الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبنى تحتية، لكن البساطة في المظهر يجب أن تعني أولًا بساطة و وضوح الرؤية، وتركيزًا غير مسبوق على إعادة الحياة إلى طبيعتها للمواطن العادي الذي أنهكته الحرب وغربة النزوح.لأن توقعات الشعب بسيطة وواضحة جدا، فقط حياة كريمة و الجميع يدرك إن البلاد قد وصلت إلى المحطة الأخيرة للانهيار الكلي، و في مثل هذا السياق، يجب أن تكون أولوية الحكومة هي إثبات مصداقيتها من خلال خطوات ملموسة تُعيد الأمل، كوقف الحرب فعليًا، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وبدء إصلاح الخدمات في المناطق التي تسيطر عليها. و التاريخ هو خير معلم، فالسودانيون يتذكرون جيدًا كيف رفعت حكومة الإنقاذ ذات يوم شعارات مثل “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”، لكن المسار انحرف لتحقيق ثروات شخصية على حساب المصلحة العامة، فالخطر الأكبر الذي يهدد أي حكومة جديدة هو الفساد والمحسوبية. فما يبدأ كتمهيد للناس بقبول بساطة الظرف قد يتحول بسرعة إلى أداة لتبرير بيروقراطية معطلة وامتيازات شخصية، إذا لم تقترن بشفافية حقيقية. وقد اكد الدكتور الهادي ادريس في خطابه حرصه على اجتثاث الفساد المالي والإداري، والقضاء التام على المحسوبية والواسطة كركن أساسي لبناء دولة المواطنة الحقة . هذه الكلمات يجب أن تكون نبراسًا لحكومة تأسيس، فالثقة التي يمنحها الشعب لها ما زالت هشة وستتحطم عند أولى علامات الانحراف ،و لكي لا تذهب أحلام الشعب سدى، يجب أن تتحول الرمزية الجميلة للصورة إلى التزام عملي بمبادئ راسخة، تكون فيها المحاسبة هي الأساس و يجب أن تعلن الحكومة عن مصادر تمويلها وميزانياتها بشكل واضح للمواطنين. فبناء الثقة يبدأ بالشفافية، خاصة في ظل بيئة دولية وإقليمية معقدة يصفها المحللون بأنها ملتهبة بالصراعات ذات البعد الإقليمي و يجب العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة المدنية المستقلة القائمة على الكفاءة، بعيدًا عن المحسوبية والولاءات الضيقة و العمل علي بناء جيش وطني موحد بعيدًا عن الانتماء السياسي او القبلي، وليكن هذا مبدأ ينطبق على كل مؤسسات الدولة، اذ يجب إنشاء قنوات حقيقية لمشاركة المجتمع المدني والأطراف السياسية الأخرى في الرقابة واقتراح السياسات. لكن أيها القادة، تذكروا أن الجلوس على الأرض كان اختياركم لترسلوا رسالة إلى شعبكم، فلا تدعوا هذه البساطة التي أبهرت الناس في البداية، تصبح إدانة لكم في النهاية إذا تحولت إلى مجرد ذريعة لفساد جديد. فالشعب السوداني الذي وقف صامدًا أمام أعاصير الحرب والتهجير، هو نفسه الذي ينتظر بفارغ الصبر أن تتحول الصورة الجميلة على “البروش” إلى واقع جميل في كل قرية ومدينة.لكن يبقي التحدي الاكبر هو تحويل الرمزية إلى استراتيجية، وتحويل العهد إلى عقد بين الحكام و المحكومين، حيث تكون المحاسبة أساسه. فالسودان ينزف، و عدد القتلى المدنيين في قفزة مرعبة و الجوع و المرض يفتك بالناس دون رحمة.و في هذا الوضع، لا مكان للتراخي. فليكن شعاركم الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان فهو الاستثمار الأنجح . ابدأوا بإنسان السودان، فهو أغلى ما تملكونه، وهو من سيقيمكم في النهاية، لا على بساطة جلستكم الأولى، بل على رفاهية وكرامة عيشه تحت حكمكم.
والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!