رأي

أَبْطَالُ كُرْدُفَانَ.. صُمُودٌ يَشُقُّ جُدْرَانَ المُحَالِ

هشام محمد شريف

 

هشام محمد شريف 

إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ خَطَفُوا الرِّيحَ بِصُدُورِهِمْ، وَوَطِئُوا الأَرْضَ بِخُطًى لَا تَعْرِفُ الاِنْكِسَارَ، إِلَى جُنُودِنَا البُواسِلِ فِي مَيْدَانِ كُرْدُفَانَ، أُرْسِلُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، وَهِيَ تَنْبِضُ بِدَقَّاتِ القَلْبِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِهَا الشَّفَتَانِ.

 مَاضٍ يَتَجَدَّدُ، وَعَزِيمَةٌ لَا تَنْضَبُ

يَا مَنْ تَلَبَّسْتُمْ بِعَزِيمَةِ أَسْلَافِكُمْ، وَتَوَشَّحْتُمْ بِدِمَائِهِمُ الطَّاهِرَةِ، هَلْ تَدْرُونَ أَنَّ مَعْرَكَتَكُمُ اليَوْمَ لَيْسَتْ سِوَى حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ فِي سِلْسِلَةِ الكَرَامَةِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ؟

لَقَدْ هَزَمَ أَجْدَادُكُمْ “هَكْسَ” بِالأَمْسِ، وَمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السِّلَاحِ مَا يُعَادِلُ مَا تَمْلِكُونَهُ اليَوْمَ، لَكِنَّهُمْ – بِحَقٍّ – امْتَلَكُوا مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَبْقَى: يَقِينًا بِعَدَالَةِ القَضِيَّةِ، وَحُبًّا لِلتُّرَابِ، وَاسْتِبَاحَةً لِلْمَوْتِ فِي سَبِيلِ الحُرِّيَّةِ وَالعِرْضِ.

وَأَنْتُمْ – يَا فُرْسَانَ الأَيَّامِ – أَبْنَاءُ أُولَئِكَ، بَلْ أَنْتُمْ – فِي الحَقِيقَةِ – امْتِدَادُ هِمَّتِهِمْ وَوَرَثَةُ مَجْدِهِمْ. فَكَيْفَ بِكُمُ اليَوْمَ، وَأَنْتُمْ تُوَاجِهُونَ “أَوْلَادَ هَكْسَ”؟ إِنَّ الهَزِيمَةَ لَمْ تُكْتَبْ قَطُّ عَلَى مَنْ يَحْمِلُ رَايَةَ وَطَنٍ، وَالنَّصْرَ حَلِيفُ مَنْ يَمْلِكُ الأَرْضَ وَيَحْتَضِنُ التَّارِيخَ.

 فَرْقٌ مَا بَيْنَ المُدَافِعِ وَالمُغْتَصِبِ

اِفْرِقُوا – أَيُّهَا الأَبْطَالُ – بَيْنَ مَنْ يُقَاتِلُ وَرَاءَ الحَجَرِ وَالذَّهَبِ، وَبَيْنَ مَنْ يُقَاتِلُ بَيْنَ أَهْلِهِ وَذَوِيهِ. إِنَّكُمْ تُدَافِعُونَ اليَوْمَ عَنْ بُيُوتٍ لَا تُبَاعُ بِالأَثْمَانِ، وَعَنْ قُبُورٍ لَا تُشْتَرَى بِالأَمْوَالِ، وَعَنْ أَطْفَالٍ يَنَامُونَ عَلَى وَجَعِ الفِرَاقِ وَغِيَابِ الآبَاءِ. أَمَّا أُولَئِكَ الآخَرُونَ – جُنُودُ المَالِ وَالمَنَاصِبِ – فَيُدَافِعُونَ عَنْ صَنَادِيقِهِمْ لَا عَنْ أَرْضِهِمْ، وَيَخَافُونَ فَقْدَ المَصَالِحِ لَا فَقْدَ الشَّرَفِ. وَهَلْ يَنْتَصِرُ مَنْ يُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِ رَصِيدٍ مَصْرِفِيٍّ، عَلَى مَنْ يُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِ رُوحِهِ وَأَرْضِهِ وَكَرَامَتِهِ؟! كَلَّا وَحَقِّ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.

نَبْضُ الأُمَّةِ فِي الخَفَاءِ

اِسْمَعُوا نَبْضَ الأُمَّةِ مِنْ وَرَاءَ الأَسْوَارِ؛ فَالمُجْتَمَعَاتُ فِي كُلِّ حَيٍّ وَقَرْيَةٍ تَعِيشُ عَلَى جَمْرِ الاِنْتِظَارِ، تَلْهَثُ وَرَاءَ كُلِّ خَبَرٍ يَأْتِيهَا مِنْكُمْ، تَتَمَنَّى لَكُمُ الفَلَاحَ بِقُلُوبٍ مُحْتَرِقَةٍ، وَتَفْتَخِرُ بِكُلِّ طَلْقَةٍ تَرِنُّ فِي صَحَارِيكُمُ المُقْفِرَةِ. أَنْتُمْ لَسْتُمْ وَحْدَكُمْ فِي المَيْدَانِ؛ فَمَعَكُمْ أَمَانِي الأُمَّهَاتِ الحَارَّاتُ، وَزَغَارِيدُ الأَطْفَالِ الشَّوْقَى، وَلَحَظَاتُ العَجَائِزِ اللَّاتِي يَئِنَّ تَحْتَ ثِقَلِ الغَيْبَةِ.

كُلُّ شِبْرٍ تُثَبِّتُونَ أَقْدَامَكُمْ فِيهِ يَكْتُبُ سَطْرًا خَالِدًا فِي مَلْحَمَةٍ سَيُدَوِّنُهَا الأَحْفَادُ بِحُرُوفٍ مِنْ فَخْرٍ.

صُمُودٌ يَفْلُّ الحَدِيدَ وَيَصْنَعُ الفَجْرَ

يَا جِبَالَ كُرْدُفَانَ الشَّاهِمَةَ، اشْهَدِي أَنَّ صُدُورَ هَؤُلَاءِ الأَبْطَالِ أَقْسَى مِنْ صُخُورِكِ، وَأَنَّ دِمَاءَهُمُ الزَّاكِيَةَ هِيَ الإِكْسِيرُ الَّذِي يُعِيدُ الحَيَاةَ إِلَى شَرَايِينِ هَذَا الوَطَنِ المَكْلُومِ. إِنَّ الكَافِرِينَ بِحَقِّكُمْ، الخَائِفِينَ مِنْ بَأْسِكُمْ، قَدْ غَرَّهُمْ المَتَاعُ الزَّائِفُ وَأَعْمَاهُمُ الطَّمَعُ؛ فَلَا تُقِيلُوا لَهُمْ عَثْرَةً، وَلَا تَتَرَكُوا فِي أَرْضِكُمْ لِأَجْدَاثِهِمْ ظِلًّا. اِصْمُدُوا كَمَا صَمَدَتِ النَّخِيلُ فِي وَجْهِ الهَوْجَاءِ، وَارْسُمُوا بِرَصَاصِكُمُ الصَّادِقِ خَرِيطَةً جَدِيدَةً لِلْعِزَّةِ؛ فَإِنَّ خَلْفَ كُلِّ سَاتِرٍ تَلُوذُونَ بِهِ جِيلًا يَسْتَمِدُّ الحَيَاةَ مِنْ أَنْفَاسِكُمْ، وَإِنَّ بَعْدَ هَذَا الظَّلَامِ الدَّامِسِ فَتْحًا مُبِينًا سَيُشْرِقُ سَاطِعًا عَلَى كُلِّ شِبْرٍ مِنْ أَرْضِكُمُ الطَّاهِرَةِ.

إِلَى القَائِدِ بِالعَزْمِ لاَ يَلِينُ

وَإِلَى القَائِدِ صَاحِبِ العَزْمِ وَالرُّوحِ الَّتِي لَا تَلِينُ.. أَنْتَ تَعْلَمُ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ، أَنَّ الحِمْلَ ثَقِيلٌ، وَالطَّرِيقَ وَعِرٌ شَائِكٌ، لَكِنَّ التَّارِيخَ لَا يُكْتَبُ إِلَّا بِأَقْلَامِ الشُّجْعَانِ. تَذَكَّرْ أَنَّ عَيْنَ التَّارِيخِ تَرَاكَ، وَعَيْنَ الشَّعْبِ تَتْبَعُ خُطَاكَ، فَلَا تَهِنْ وَلَا تَتَرَاخَ، فَإِنَّ النَّصْرَ قَرِيبٌ لِمَنْ صَبَرَ، وَالعَهْدَ مَعْقُودٌ بِأَنْ نَكُونَ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بِكُمْ وَبِعَزْمِكُمْ.

حَسْرَةُ المُتَخَلِّفِينَ خَلْفَ الحُدُودِ

أَمَّا نَحْنُ – مَنْ خَلْفَ الحُدُودِ وَوَرَاءَ المَوَاقِعِ – فَوَالحَقِّ إِنَّ الحَسْرَةَ لَتُكَاوِدُنَا أَلَّا نَكُونَ مَعَكُمْ فِي الخَنْدَقِ الوَاحِدِ، نَذُوقُ مَا تَذُوقُونَ، وَنَلْهَثُ وَرَاءَ مَا تَلْهَثُونَ. لَكِنَّنَا – وَإِنْ قَصُرَتِ الأَبْدَانُ – مَعَكُمْ بِالقَلْبِ وَالكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ، نُرْسِلُ أَرْوَاحَنَا مَعَ كُلِّ رَصَاصَةٍ تُمَرِّقُ فِي الفَضَاءِ، وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ تُقَدِّمُونَهَا نَحْوَ الفَلَاحِ وَالنَّصْرِ المُبِينِ.

الأَرْضُ تَشْتَاقُ

تَقَدَّمُوا – أَبْقَاكُمُ الوَطَنُ فَخْرًا -، فَالأَرْضُ تَشْتَاقُ إِلَى أَقْدَامِكُمْ، وَالمَجْدُ يَنْتَظِرُ جَبِينَكُمْ، وَالعَدْلُ حَلِيفُ الصَّابِرِينَ. إِنَّ المَوْتَ فِي سَبِيلِ الحُرِّيَّةِ خُلُودٌ، وَالحَيَاةَ مِنْ دُونِ كَرَامَةٍ مَذَلَّةٌ، وَأَنْتُمْ – بِعَزْمِكُمْ – عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ الفَتْحِ القَرِيبِ، فَأَبْشِرُوا، وَاصْبِرُوا، وَرَابِطُوا، وَتَمَسَّكُوا بِأَرْضِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

وَسَلَامٌ عَلَى الأَبْطَالِ فِي كُلِّ مَيْدَانٍ، وَالنَّصْرُ لِمَنِ اخْتَارَ التُّرَابَ عَلَى الذَّهَبِ، وَالكَرَامَةَ عَلَى المَنَاصِبِ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!