
خرج الثعلب يوماً في ثياب الصالحين!
عبدالرحمن العمرابي
عضو مؤسس في تحالف تاسيس
عضو تجمع السودانيين المستقل
في زمن الحرب على الميدان تُدار حروبٌ أخرى أكثر ضراءَ وضراوة: حرب الكلام
في خضمّ أصوات القذائف وانهيار مؤسسات الدولة وانسلاخ الناس عن حياتهم اليومية، تظهر جبهات لا تقل فتكا عن جبهات النار: صفحات وخطب ومقالات وندوات تصوغ الكراهية وتغذي الفتنة. حرب الكلام هذه لا تستهدف مجرد كلمات، بل تستهدف النسيج الاجتماعي لبلادٍ تكاد تُفقد مقوّمات البقاء. وهي حرب يشنّها من يسمّون أنفسهم مفكّرين، لكنّ ما ينتجون ليس فكرًا بقدر ما هو جهل وسمٌ مُعلّب ليفتت المجتمع من الداخل.
أول أدلّاء هذه الحرب: تحويل المفاهيم وصبغها بصبغات عرقية ومناطقية. يتحدّثون عن «تسلط المركز» و«ظلم الهامش» بصيغٍ تحرّف الواقع: يحوّلون المركز من مجموعة معرفةٍ مسؤولة عما اتت به إلى «مجموعة عرقية»، ويصنّفُون الهامش من «مظلومية تاريخية» إلى «مجموعة مُلْقِنة للشرّ بدايه بإحلال ظلم جديد علي هامش آخر». بهذه التبديلات اللفظية تُغيّر اللغة معنى التاريخ، وتُغذّى رواسب الحقد، وتُساق الجماهير نحو الخندق المعنوي بدلًا من خندق الصمود الوطني.
المشكلة ليست في الحديث عن الظلم أو المطالبة بالعدالة — فذلك حقّ وواجب— بل في إساءة استخدام هذه المطالب كشعارات لتبرير الانقسام، والإساءة للآخرين، والادعاء بأن الخلاص يكون بفصلٍ أو بعصبيةٍ عرقية. هذا ليس نقدًا بنّاءً، بل صناعة للعداء. ومن يزرعون مثل هذه البذور يعلمون أنّ ثمارها ستكون خانقة: تجزئة الوطن، تراجع المشاريع الوطنية، وإطالة أمد الحرب بدمارٍ اجتماعي لا يقلّ وحشيّة عن الدمار المادي. وهنا يكمن السؤال هل هذا ما نقصد بالسودان الجديد وان لم يكن فلماذا الصمت؟!
ثانيًا: استغلال المقاربات النظرية (غرامشي، ماركس، لينين، أو غيرها) لزرع الفتنة. تحويل مفاهيم النقد الاجتماعي إلى شعاراتٍ تقود إلى الكراهية هو استخدامٍ انتهازي للفلسفات، لا تفسيرٌ علميّ أو نقدي. الفلسفة تصبح هنا ذريعة، والأيديولوجيا أداة؛ فلا تُستخدم لتحليل الظاهرة وبناء حلول، بل لتشويه الآخر وإعطاء شرعيةٍ لمن يهدد وحدة المجتمع. إن الفلسفة المعمّقة تدعو إلى الفهم والتفكير النقدي، لا إلى تسليح الجباه بالكلمات ضدّ الأخ المجاور. لهذا السبب نجد امثال هؤلاء ‘ المفكراتيه ‘يعملون من اجل بناء مركز ليحل محل مركزيتهم الوراثيه التي بات مشروع السودان الجديد يهددها. وهنا نصطدم بسكوت البرجوازيه الصغري من ابناء الهامش الذين كنا نامل ان يكونوا الدواء فأصبحوا جزء من الداء.
ثالثًا: تلك الأصوات التي تصدح باسم «الهامش المظلوم» ثمّ تُحوّله إلى آلة انتقامية في مخيال الآخرين، تحارب وقف المظالم التاريخيه محوله المظلومين الي ظلمه جدد — فالحزن والشكوى لا يجب أن يتحولا إلى تبرير لاقتلاع الجذور الوطنية. هناك فئة من المتضرّرين أُسقطت عليهم صفة «الجلادين» في مخيلة الخصوم، فبدل أن نبحث في أسباب المظلومية ونقترح مسارات مصالحة وبناء، نجد دعواتٍ إلى الانفصال أو التبرؤ من التعايش تحت شعار «درء الضرر أولى من جلب المنفعة». ومع حسن النية الظاهر، تبقى النتيجة: تفككٌ اجتماعيٌ يزيد معاناة الجميع.
والأسوأ من ذلك: أن كثيرين ممن يُحرّكون هذه المشاعل لا يملكون حتى مقوّمات الحياة الكريمة اليوم. هم يلهثون خلف الألقاب والأصوات الإعلامية، بينما أبناء شعوبهم يدفنون أحلامهم في ظل الحرب. هذا التناقض يفضح دوافعهم الحقيقية: ليست نهضة المجتمع بل إنتاج سردية تغذي مصالح قوى خارجية أو داخلية او محاولات منهم من اجل مكاسب ذاتيه تسعى لإضعاف المشروع الوطني.
الصمت في مواجهة هذا السيل الهادر جريمة؛ والتواطؤ بالسكوت شريك في الإجرام. إن كل دقيقة يمرّ بها المجتمع دون مواجهة فكر الكراهية تُضاف إلى رصيد الانقسام. أصحاب العقول والفضيلة لا يملكون رفاهية الحياد. عليهم أن يخرقوا الصمت بمنابرهم، بالبحث، بالتربية، بالحوار الحضاري، وبخريطة طريق للعدالة الاجتماعية لا تؤدي إلى تفتيت اللحمة الوطنية. عار علي من يسكت عن مثل هذا الهراء ولن ننسي ذلك وعجله التاريخ ما زالت تدور.
التصدي يبدأ من التعليم — تعليم التاريخ بموضوعية، وتعليم الاختلاف كقيمة، وتعليم النقد كوسيلة لإصلاح الواقع لا كسلاح لإلغاء الآخر. يبدأ من الإعلام — إعلام مسؤول يراعي الألفاظ ويقود معارك البناء لا معارك الحط من الآخر. يبدأ من النخب الفكرية والأكاديمية — بكتابة براهين مبنية على بيانات، لا على مشاعر وادّعاءات، وبفتح مساحات حقيقية للعدالة الانتقالية والتنمية المتوازنة. ان خلق الفتن سهل علي يد الاعداء، والسكوت عنها سلامه للجبناء، فتخيروا بين الوطن وحفنه من الدولارات سرقت من عرق الضعفاء والمهمشين.
نقولها بصراحة: من يختار أن يكون منبره مسرحًا للحقد عليه أن يحاسب؛ ومن يسكت على ذلك يصبح مع القائلين. لا يوجد ظل أخلاقي للاختباء وراء «حرية التعبير» عندما تكون التعبيرات دعوات إلى الكراهية والتقسيم. الحرية تنتهي حيث تبدأ دعوات لمحو الآخر.
في لحظةٍ تحتاج فيها البلاد لكل قطرة عقل، وكل جهدٍ بناء، لنعدّ الكلمات أسلحةً للمصالحة لا للفوضى. لنعترف بأنّ نقد المركزية أو الهامشية مشروع حين يُبنى على الحقائق والحلول. ولنعلم أن الفِكر الذي يدعو إلى العرقية والجهوية والتمييز ليس فِكراً بل جريمة يروّج لها جاهلون ومصالحون.
ختامًا، إنّ «السودان الجديد» الذي استشهد من أجله آلافٌ لا يمكن أن ينجح عبر خطبٍ توزع العداوة. الشرف الحقيقي يقع على من يختارون منابرهم لبناء الجسور، لا لحفر الأخاديد. والعار كل العار على من يبيعون دماء الشهداء بكلماتٍ معفنةٍ تُسوّق للفرقة. فلتقموا، أيها العقلاء، لتقولوا لا للفتنة، نعم للوحدة، ولنعمل معًا على وطنٍ لا ينقسم إليه أحد.
لقد نامت نواطير السودان الجديد عن ثعالبها!




