البرهان والإخوان: التحالف الخفي الذي يقود الجيش السوداني

نيروبي- التنوير
تزداد القناعة يوماً بعد يوم بأن العلاقة بين قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، والحركة الإسلامية ليست مجرد ارتباط ظرفي أو تقارب سياسي بل هي علاقة عضوية يصعب فصلها. فقد أثبتت مجريات الأحداث منذ اندلاع الحرب أن التيار الإسلامي ممثلاً في الإخوان المسلمين والتيارات المتحالفة معهم ما يزال يحكم قبضته على مفاصل القرار داخل المؤسسة العسكرية بما في ذلك القوات المسلحة وجهاز المخابرات.
هذا النفوذ لم يأتي من فراغ بل هو امتداد عقود من التمكين الذي رسخته الحركة الإسلامية منذ انقلاب 1989، حيث زرعت كوادرها في مفاصل الدولة الحساسة وبالرغم من سقوط نظام البشير فإن هذه الشبكة التنظيمية ما تزال قادرة على التأثير وتوجيه القرارات خصوصاً في أوقات الأزمات الكبرى مثل الحرب الحالية.
الأدلة على هذا التغلغل تتجلى في مواقف الحركة الإسلامية تجاه أي مبادرات لوقف إطلاق النار أو الدخول في عملية سياسية شاملة فقد اتضح أن الإسلاميين يقفون موقفاً متشدداً يرفض أي محاولات لإنهاء النزاع، معتبرين أن استمرار الحرب يصب في صالحهم ويمنحهم فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم واستعادة السلطة عبر المؤسسة العسكرية.
بل إن معلومات تحصلت عليها “التنوير” تؤكد أن الحركة الإسلامية ما تزال تدفع بمزيد من الجنود والمقاتلين نحو الجبهات، في مسعى لإطالة أمد المعارك وإفشال الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التهدئة.
إن هذا المشهد يضع البرهان أمام معادلة معقدة فهو من جهة يصور كقائد الجيش الذي يخوض حرباً “لحماية الدولة”، ومن جهة أخرى، يرتبط بتحالف لا يمكن إنكاره مع الحركة الإسلامية التي تُتهم بأنها السبب الجوهري في تفكيك الدولة السودانية وإشعال الحروب الداخلية والنتيجة أن المؤسسة العسكرية تبدو اليوم أداة في يد مشروع سياسي أيديولوجي أكثر من كونها حامية للدولة الوطنية وهو ما يزيد من صعوبة الوصول إلى حل سياسي شامل يرضي جميع الأطراف.

وبناءً على ذلك، فإن مستقبل النزاع في السودان مرهون بدرجة كبيرة بقدرة الفاعلين المدنيين والعسكريين على تحييد نفوذ الحركة الإسلامية داخل الجيش، أو على الأقل تقليص قدرتها على تعطيل مسارات التفاوض فاستمرار هذه الهيمنة يعني بالضرورة أن الحرب لن تتوقف قريباً، وأن أي مبادرات للسلام ستظل تصطدم بجدار أيديولوجي صلب يرفض التنازل أو المشاركة في تسوية عادلة.
قلق دولي
نفوذ الحركة الإسلامية المتسارع وتغلغلها داخل المؤسسات الأمنية وسيطرتها على القرار العسكري أثار مخاوف إقليمية ودولية من عودة الجماعة إلى واجهة الحكم الأمر الذي دفع باتجاه إجراءات أكثر صرامة لعزلها وإضعاف أذرعها.
وأقدمت وزارة الخزانة الأميركية على فرض عقوبات على شخصيات قيادية بارزة في الحركة الإسلامية، مثل الأمين العام علي كرتي والرئيس السابق لجهاز الأمن والمخابرات صلاح قوش، إضافة إلى الجناح العسكري للحركة المتمثل في مليشيا البراء بن مالك هذه الخطوة لم تكن معزولة بل جاءت نتيجة تقارير عن تورط هذه المليشيات في تغذية الصراع المسلح وتعميق حالة الانقسام الأهلي الى جانب تعزيز صلاتها مع إيران التي تتهم بأنها توفر دعماً عسكرياً ولوجستياً للحركة.
رفض قاطع لدور مستقبلي للحركة
بالتوازي مع العقوبات، أعلنت الآلية الرباعية (السعودية، الإمارات، بريطانيا، الولايات المتحدة) رفضها القاطع لأي دور مستقبلي للحركة الإسلامية في حكم السودان.
هذا الموقف يعكس إدراكاً إقليمياً بأن إعادة إنتاج التجربة السابقة، التي حكمت فيها الحركة البلاد عبر واجهة الإنقاذ لن تؤدي سوى إلى إعادة السودان إلى دائرة العزلة الدولية كما أن هذا الرفض يتناغم مع مساع لإيجاد تسوية سياسية أوسع تستبعد الأطراف التي ينظر إليها كمعرقل أساسي للانتقال المدني.
تآكل الشعبية
إلى جانب الضغوط الخارجية تواجه الحركة الإسلامية حالة رفض داخلي متزايد فالجماعة، التي ارتبط اسمها لدى قطاعات واسعة من السودانيين بالاستبداد والفساد خلال حكم الإنقاذ باتت تعاني عزلة اجتماعية وسياسية متنامية ومع احتدام الحرب الحالية يحمّلها كثيرون مسؤولية رئيسية عن تغذية الصراع عبر أذرعها العسكرية ما يقلص من فرص قبولها مجدداً كفاعل سياسي شرعي داخل أي عملية انتقالية.
تقويض جهود السلام
وتعليقاً على علاقة الحركة الإسلامية والبرهان قدّم السفير عادل إبراهيم مصطفى قراءة معمّقة حول دور الحركة الإسلامية وعلاقة الجيش بها، وأسباب تعقّد جهود السلام، بالإضافة إلى إشكالية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي.
ويؤكد السفير أن “من الصعب على الفريق عبد الفتاح البرهان فك الارتباط بين الجيش والحركة الإسلامية”، فالعلاقة ليست مجرد انتماء شخصي، بل نتاج عقود من الاستثمار في المؤسسة العسكرية منذ انقلاب 1989، حيث حُصرت أبواب الكلية الحربية على مرشحي واجهات الحركة مثل الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة.
ويضيف “الحركة تحتفظ بوثائق وملفات حساسة ضد البرهان تجعله أسيرًا لها، يخشى الاصطدام بها كما يخشى غدرها. وفي المقابل، هي لا تمنحه ثقة كاملة، بل تضيق عليه الخناق لضمان ولائه”.
ويرى السفير أن الحديث عن فك ارتباط الجيش بالحركة في ظل بقاء البرهان على رأس المؤسسة العسكرية “وهم سياسي”، إذ أصبح البرهان “ضعيفًا أمام ابتزازها وخطيرًا على مستقبل الجيش والدولة معًا”.
وفي سؤال الى أي مدى نجح الإخوان المسلمون في تعطيل السلام، يقول السفير، أن الإخوان قد نجحوا “إلى حد كبير” في إفشال خطط السلام عبر سيطرتهم العميقة على الجيش، حيث دفعوا قياداته لرفض الجلوس إلى طاولة التفاوض. كما استعانوا بأذرعهم الإعلامية ومليشياتهم مثل البراء بن مالك ودرع السودان لدعم المعركة عسكريًا ودعائيًا.
ويضيف أن الحركة الإسلامية سخّرت خطابًا دعائيًا مضللًا لتجييش الشارع، من خلال شعارات مثل “بل بس”، التي جرى تسويقها وسط الشباب لتصوير الحرب معركة مصيرية.
ويؤكد أن الإخوان “يدركون أن وقف الحرب يعني نهايتهم السياسية وفتح الباب أمام محاسبتهم، لذلك يفضلون استمرارها مهما كانت التكاليف: إما انتصار يتيح لهم السيطرة، أو إطالة أمد القتال لفرض أنفسهم في أي تسوية قادمة”.
وفي سؤال آخر حول لماذا يصعب تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية؟ يرى السفير أن تصنيف الإخوان كتنظيم إرهابي يواجه عقبات عدة من بينها طبيعة الجماعة نفسها كشبكة واسعة تضم نشاطات خيرية وسياسية ودعوية، تجعل استهدافها بالكامل معقدًا، فضلا عن التباين في المواقف الدولية، حيث تراها مصر والسعودية والإمارات تهديدًا أمنيًا، بينما تميل بعض الدول الغربية للتعامل معها كحركة سياسية يمكن احتواؤها.
والأمر الآخر الذي يعطل تصنيفها جماعة إرهابية بحسب السفير هو تباين تعريفات الإرهاب من بلد لآخر، وهو ما تستفيد منه الجماعة عبر تجنّب الارتباط المباشر بالعنف ويختتم السفير بالقول: “ملف الإخوان لا يدار بمعيار أمني فقط بل يتداخل فيه القانون والسياسة والمصالح الدولية وهو ما يجعل الحسم في أمر تصنيفها إرهابية مؤجلًا إلى إشعار آخر”.
التخلص من البرهان
ويتوقع الصحفي والمحلل السياسي الدكتور محمد شرف الدين أن يتخلص الإخوان المسلمون من البرهان قبل ان يتخلص منهم، لكون أن البرهان عاجز ولايستطيع التخلص من الإسلاميين لانهم منظومة متشعبة ودوائر متداخلة تدير خططها بسرية غامضة تغلغلت في نسيج الدولة فباتت كالأنسجة السرطانية فهم يسيطرون على الأجهزة الأمنية والجيش فضلا عن امتلاكهم تشكيلات شبه عسكرية فهؤلاء يسيطرون على المال والشركات الكبرى بل حتى على المسرح والفن والنقابات والاتحادات.
وأكد أن تكلفة التخلص من الإسلاميين ستكون باهظة الثمن وقد تؤدي إلى إراقة الدماء فيما بينهم ويشير أن الإخوان المسلمين تمكنوا حتى الآن في إفشال خطط ومساعي السلام في السودان من خلال عدد من العناصر التكتيكات أولها: التحشيد الشعبي وتجييش المجتمعات ضد اي مجهود سلمي ورفع سقف الحسم العسكري فوق رؤوس الجميع.
والأمر الثاني من خلال إستغلال اسم الجيش وبدعة الكرامة لتأليب أكبر قدر من الناس للالتفاف حول الجيش بغضا في الدعم السريع من خلال اختلاق وتلفيق بعض التجاوزات.
والأمر الثالث من خلال توظيف بعض الأقلام المؤثرة في الوسط الصحفي التي تحرض على الحرب، والاعتماد على عملاء مخابرات معلومة بأهدافها لإخضاع القرار السياسي لمصالحهم الاقتصادية.
وأكد أن دعم بعض الدول لتنظيم الإخوان المسلمين يمثل اكبر عائق على تصنيفهم كجماعة إرهابية فضلا عن إستغلالهم عاطفة الناس حين غفلة لتصوير أنفسهم بأنهم هم من يقاتلون ما يسمونهم بـ الغزاة والمرتزقة بحسب توصفيهم لما يدور في هذه الحرب متغافلين عن جذور وأسباب الصراع الحقيقية في السودان التي فجرت عدد من الثورات آخرها ثورة ديسمبر التي كانت تنشد قيام نظام مدني ديمقراطي على أساس المواطنة المتساوية في كافة الحقوق والواجبات.




