رأي

الهوس الديني في السودان فظائع الماضي ولعنة الحاضر 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

“إنهم يفوقون سوء الظن العريض” محمود محمد طه

هذه العبارة الكثيفة والموجزة تختصر التجربة المريرة التي عاشها السودان مع جماعات الهوس الديني التي تسللت إلى السلطة عبر انقلابها المشؤوم في أواخر القرن الماضي، فحوّلت البلاد إلى مسرح للدماء والانقسامات والدمار. فمنذ تلك اللحظة الكارثية، لم يعرف السودان سوى الأزمات المستحكمة، والتشظي الاجتماعي، والعنصرية البغيضة، وخطاب الكراهية الذي أفرغ مفهوم الدولة الوطنية من مضمونه.

الحركة الإسلاموية التي رفعت شعارات براقة مثل “الإسلام هو الحل” لم تكن تحمل في حقيقتها سوى مشروع سلطوي غارق في الماضي، يبرر العنف والانقلابات كوسيلة للوصول إلى الحكم. وما أن أمسكت بمفاصل الدولة حتى أفرغت مؤسساتها من مضمونها، وأدخلت المجتمع السوداني في دوامة من الاستقطاب الحاد والاقتتال الداخلي، وأطلقت ماكينة قمع غير مسبوقة طالت الهامش قبل المركز.

لقد كان خطابهم دوماً خطاباً مزدوجاً: خطاب خارجي موجه للمجتمع الدولي يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة، يقابله خطاب داخلي يقوم على التحريض والتعبئة والتجييش وإشاعة الكراهية. هذه الازدواجية الفاضحة لم تكن سوى قناع رديء يخفي مشروعاً عقائدياً مأزوماً، استند إلى فتاوى التطرف وكتابات سيد قطب التي رسخت لفكرة الجاهلية والتكفير، وأعطت المبرر للعنف والإرهاب كأدوات سياسية مشروعة.

النتيجة أن السودان دفع أثماناً باهظة: حروب أهلية طاحنة، تقسيم جغرافي، نزاعات متكررة، إفقار متعمد، وتفكيك للنسيج الاجتماعي. بل تحولت البلاد في عهدهم إلى مختبر كبير لجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت بحق شعوب الهامش، تحت لافتات دينية زائفة لا علاقة لها بروح الإسلام أو مقاصده العليا في العدل والحرية والمساواة.

اليوم، ومع انكشاف زيف تلك الشعارات، صار من الواضح أن معركة السودانيين لم تعد مجرد خلاف سياسي مع جماعة بعينها، بل هي مواجهة مصيرية مع مشروع كامل للهوس الديني الذي جرّ البلاد إلى الكوارث. والمطلوب ليس مجرد مراجعات شكلية أو مساحيق تجميل فكرية، بل القطع الجذري مع هذا الإرث المثقل بالدماء، والانتقال نحو دولة مدنية ديمقراطية حقيقية تستلهم قيم الحرية والعدالة والمواطنة.

إن تجربة الإسلامويين في السودان ليست إلا درساً صارخاً على أن استغلال الدين في السياسة لا يجلب سوى الخراب. لقد فاقت جرائمهم سوء الظن العريض فعلاً، وسيظل التاريخ يذكر أن الهوس الديني كان لعنة على السودان وشعبه، ولن يزول أثرها إلا ببناء وطن جديد يتجاوز هذا الماضي المظلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!