رأي

السودان بين وهم التشظي وأفق التأسيس: من المركز والهامش إلى الوحدة الطوعية

عبدالرحمن العمرابي

 

عبدالرحمن العمرابي

عضو مؤسس في تحالف تأسيس

عضو تجمع السودانيين المستقلين

الهوية في السودان لم تكن يومًا سؤالًا لغويًا فقط، بل كانت معضلة سياسية وفكرية استُخدمت أحيانًا لتوحيد الناس تحت مظلة وطنية، وأحيانًا أخرى لتفكيكهم عبر خطاب جغرافي أو إثني. حين نقول *أمة* فإننا نعني الإطار الحضاري الواسع الذي يشمل الجميع، وحين نقول *شعب* فنحن نصف جماعة سياسية تعيش في دولة واحدة، وحين نقول *قبيلة* فإنها الرابطة الأصغر المرتبطة بالنسب والعشيرة. غير أن هذه الكلمات كثيرًا ما استُعملت في الخطاب السوداني بما يشوّه معناها ويزرع الفرقة بدل التعارف.

اللغة العربية التي نكتب بها دساتيرنا ومواثيقنا تحمل هذا المعنى منذ القدم. في القرآن الكريم ورد النص: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾ [الحجرات: 13]، وهو ليس خطابًا دينيًا بقدر ما هو بيان لغوي يشرح وظيفة المفردتين: *الشعوب* أي الجماعات الكبرى الممتدة، و*القبائل* أي الجماعات الأصغر ذات النسب. الغاية من هذا التعدد لم تكن الصراع أو التفاخر، بل التعارف والتكامل. من هنا يصبح أي توظيف للتنوع على أساس الكراهية خروجًا على جوهر الفكرة اللغوية والإنسانية معًا.

لكن المأساة أن كثيرًا من الذين فرضوا أنفسهم “مفكرين” في المشهد السوداني حوّلوا هذه الفلسفة إلى معركة جهوية. فكرة “المركز والهامش” التي صاغها مفكرون مثل د. أبكر آدم إسماعيل كانت في الأصل أداة تحليل سياسي–اقتصادي. المركز عنده ليس “الشريط النيلي” ولا قبائل بعينها، بل هو البنية السياسية والاقتصادية التي تمركزت في الخرطوم، حيث السلطة والثروة والتعليم والقرار. والهامش ليس مرادفًا لدارفور أو النيل الأزرق أو الشرق وحدها، بل هو كل من استُبعد من هذه البنية، حتى لو كان مزارعًا فقيرًا في الجزيرة او راعي ابك في دارفور او البطانه أم مزارع في جبال النوبه أم منقب يدوي عن الذهب في صحراء الأسمال او جبال الانقسنا أو عاملاً بسيطًا في قلب العاصمة .

لكن هذا المعنى البنيوي جرى تشويهه. صار المركز يُختزل في “الشمال النيلي واحيانا بعض من قبائله”، وصار الهامش يُختزل في “الأطراف خارج الخرطوم الصغرى كعاصمة سياسية واحيانا في عناصر قبليه معينه في دارفور وجبال النوبه ثم الحقوا به مؤخرًا وبصوره خجوله عرب دارفور وكردفان”، حتى غدت الكلمة ذاتها سلاحًا للتقسيم. وهنا يجب التوضيح: الأطراف ليست “زنجيه تحتكر الافرقانيه” مقابل “عربيه سلب منها الانتماء الأفريقي بتمييز اثني”. السودان كله أفريقي جغرافيًا وتاريخيًا، والسودانيون في الشمال والجنوب والشرق والغرب أفارقة، بعضهم عرب بالثقافة واللغة، وبعضهم زنوج بالملامح، وكثيرون وهم الأغلب مزيج وتداخل. لا معنى إذن لاحتكار الأفريقانية لقبائل معينة أو أقاليم بعينها وان استعملت في الماضي خطاب تعبوي ويستعمل من اجل استعطاف العالم الخارجي وخصوصه حركات التحرر الافريقيه والامريكيه. الأطراف في معناها السياسي الصحيح هي الأطراف خارج الخرطوم الصغرى كعاصمة سياسية حيث تركز السلطات المسيطره علي اللبنيه الاقتصاديه والسياسيه، وليست انتماءً قبليًا أو إثنيًا.

هذا التشويه الخطير انعكس على الخطاب العام، حيث صار نقد السلطة المركزية يُترجم إلى خطاب كراهية ضد قبائل بعينها أو ضد “عرب السودان” في الشمال بجهاله او بقصد يدفع اليه محاربي التغيير، وهذا ما ترنو اليه قوي الرجعيه المتمثله في السودان بالإسلامويين أو من يخدمهم. النتيجة أن فكرة الوحدة الطوعية، التي هي أساس أي مشروع تأسيسي جديد، تنهار حين يشعر مكوّن كامل أنه مستهدف لا كشريك في عقد اجتماعي، بل كعدو. هنا تتحول جدلية المركز والهامش من تحليل عقلاني للسلطة إلى وقود عنصري يعيد إنتاج الاستعمار الداخلي بسياسة “فرّق تسد”.

الماركسية، حين قاربت هذه المسألة، لم تلتفت كثيرًا إلى القبائل أو الشعوب كإطارات ثابتة، بل رأت أن الصراع الحقيقي هو صراع طبقي بين برجوازية مهيمنة وبروليتاريا مستغَلة. أما الحركة الشعبية شمال فقد طوّرت خطاب “السودان الجديد” ورأت أن السودان ليس شعبًا واحدًا بل شعوب متعددة، وأن الحل هو دولة علمانية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية. هذا الخطاب كان رد فعل مشروع على التهميش التاريخي، لكنه أحيانًا انزلق إلى استبدال الهوية الجامعة بالهويات الجزئية.

تحالف تأسيس الذي تلعب فيه الايدلوجية الفلسفيه التي ترتكز عليها الحركه الشعبيه شمال دور رئيسي، على النقيض، يحاول أن يمسك العصا من منتصفها. لا ينكر التعدد، لكنه يرفض أن يكون ذريعة للتفكيك. هو يرى أن الأمة السودانية هي الإطار الجامع، وأن الشعوب والقبائل مكونات ثرية داخلها. المرجعية هنا ليست عرقًا ولا دينًا مفروضًا، بل المواطنة المتساوية، مع استلهام دلالة اللغة القرآنية التي تجعل التعدد للتعارف لا للتناحر. بهذا يصبح مشروع التأسيس توافقيًا، جامعًا، يقدم بديلًا معرفيًا ضد خطاب الكراهية وضد التجهيل الذي يمارسه بعض أدعياء الفكر. وغدي تغير حتمي ناتج عن تطور الأجسام المشاركه فيه وتعديل كيفيه تفعيل التحول من مرحله التعبئه الي إنشاد دوله عادله ومتجانسه برغم تنوعها.

إن معركة الوعي اليوم ليست بين قبيلة وأخرى، ولا بين عرب وزنوج، بل بين مشروعين: مشروع يختزل الهوية في ثنائيات قاتلة، ومشروع يؤسس لوحدة طوعية تقوم على العدالة والتنوع. الأول يعيد إنتاج الفشل التاريخي، والثاني يفتح أفقًا لسودان جديد. السودان الذي يعترف بأن الخرطوم مركز سياسي لكنه لا يحتكر الوطن، وأن الأطراف خارج الخرطوم ليست هامشًا ناقصًا بل شريكًا كاملاً، وأن الأفريقية ليست مرادفاً يحصر علي الزنجيه دون غيرها سلاحًا ضد العروبة الافريقيه، بل هوية مشتركة تتسع للاثنين معًا.

لم يكن موقفُ تحالفِ تَأسيس نتاج صدفةٍ فكرية أو محاكاة أيديولوجية ضيقة، بل ثمرةُ ترتيبٍ واعٍ بين مرجعيات متعددة: الدلالة اللغوية للنص القرآني كمرجعيه للفهم اللغوي للغه المستخدمه التي تبيّن وظيفة «الشعوب» و«القبائل» كأطرٍ للتعارف لا للتناحر؛ التحليلات البنيوية لجدلية المركز والهامش كما بلورها المفكرون السودانيون؛ الرؤى الاشتراكية/الطبقيّة التي نبهت إلى بُنى السلطة والظلم الاقتصادي (ومساهمات لينين في حق الشعوب في تقرير المصير)؛ فضلاً عن رؤى حركات التحرر الوطنية التي سعت إلى دولةٍ مدنيةٍ عادلة (كما عززها خطاب جون قرنق في رؤية «السودان الجديد»). من هذا المزيج يستخلص تَأسيس موقفًا وسطيًا عمليًا — لا يمينيًا متصلبًا ولا يساريًا تجريديًا — يتلاءم مع المركب الثقافي والسياسي للسودان. هدفُ هذا التوازن واحد وواضح: دولة سودانية قائمة على الوحدة الطوعية بين مكوّناتها، احترام التنوع وتحويل الاختلاف من سبب انقسام إلى أساس توافقٍ يبني مؤسساتٍ ونظامًا لم يكتمل بناؤه يومًا، ويجعل الغد أكثر إشراقًا بحماية المشترَك الوطني من زارعي الفتن وحملة معاول الهدم، مهما كان انتماؤهم الفكري أو الأيدلوجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!