
نجم الدين دريسة
“ليست كل يد تمتد إليك يدَ عون، فبعضها تُخفي في كفّها خنجرًا”
منذ أن خطّ نهر النيل مجراه الأبدي بين ضفتي السودان ومصر، كانت العلاقة بين الشعبين أشبه برقصة طويلة على حافة التاريخ، تارةً تتقارب فيها الخطى باسم “الأخوّة”، وتارةً تتباعد تحت ظلال “الهيمنة”. فالجغرافيا التي جمعت بين البلدين لم تكن دائمًا نعمة، بل تحوّلت في محطات كثيرة إلى أداةٍ لإعادة إنتاج السيطرة، واستعمارٍ بأقنعة جديدة، لا ترفع السلاح بل تكتب بالسياسة والمال والإعلام والمخابرات.
لقد كانت مصر — وما تزال — تتقن لعبة التغلغل الهادئ، تُخفي نفوذها في لغة “الأخوّة” وعبارات “الروابط التاريخية”، لكنها لم تتردّد يومًا في صياغة مستقبل السودان على هواها. فمنذ فجر الاستقلال، حين وُضعت صناديق الاقتراع لأول مرة عام 1953، كانت أصابع القاهرة حاضرة، تعبث بنتائج السياسة السودانية باسم “الوحدة”، وتزرع بذور التبعية تحت قناع “التكامل”. هكذا بدأ أول تدخل مصري ممنهج في شؤون السودان، حين اختارت أن تصنع نخبًا “مؤتمرة بأمرها” تلبس الطربوش وتُردد أهازيج التبعية.
“الاستعمار لا يموت، بل يبدّل ملابسه” — جورج أوروي
منذ ذلك التاريخ، تمددت القاهرة داخل مؤسسات الدولة السودانية كما تتسلل المياه في الشقوق الدقيقة. تغلغلت في الجيش، في التعليم، في الإعلام، وفي الخطاب الديني نفسه. صارت مصر تُدرّب ضباط السودان في أكاديمية ناصر العسكرية، لا لتقوّي جيشًا وطنيًا، بل لتصنع ولاءً خفيًا يربط الخرطوم بقرار القاهرة. هكذا، جُعلت المؤسسة العسكرية السودانية رهينة “التنشئة المصرية”، وتحوّل الجيش إلى بوابة الهيمنة بدل أن يكون حارس السيادة.
وإذا كان الاستعمار القديم يرفع رايته علنًا، فإن الاستعمار المصري الجديد اكتفى بتغيير الأدوات: من الجيوش إلى النخب، ومن السلاح إلى المنهج، ومن الاحتلال العسكري إلى السيطرة الناعمة. فالتأثير المصري في التعليم والإعلام والثقافة لم يكن بريئًا، بل كان جزءًا من مشروع طويل المدى لصياغة وعيٍ سودانيٍّ يرى نفسه من منظور “الأخ الأصغر”.
“من يملك مناهجك يملك وعيك، ومن يملك وعيك يملكك كله”
في الفن والدراما والمناهج وحتى في اللهجة اليومية، تسللت مصر لتصبح مرجعًا في تعريف الهوية السودانية. سُرقت مفرداتنا، وشُوهت لهجتنا، واعتُبر كل ما هو سوداني “فرعًا” تابعًا للأصل المصري. بذلك، لم تكن الهيمنة السياسية سوى وجهٍ واحد من وجوه الهيمنة الثقافية والرمزية التي سعت القاهرة لتكريسها عبر عقود.
لكن حين يُخفي الشقيق خنجره خلف الابتسامة، لا يمكن أن تستمر الغفلة إلى الأبد. فكل مرحلة حكمٍ في السودان — من عبود إلى نميري، ومن البشير إلى البرهان — حملت في طياتها أثرًا مصريًا واضحًا. اتفاقية مياه النيل الجائرة، ومشروع “التكامل”، واتفاقية “الحريات الأربع”، كلها كانت محطات لتكريس الهيمنة باسم التعاون. حتى الحرب الأخيرة في السودان، لا يمكن فصلها عن سياق الصراع الإقليمي الذي تغذيه القاهرة بهدوء، إذ ترى في السودان “سلة مواردها الاستراتيجية” لا “دولة ذات سيادة”.
“الذي يزرع الورد في أرض جاره، لا يريده جميلًا بل تابعًا”
ولعل أخطر ما أنتجته هذه السياسة ليس فقط السيطرة على القرار السياسي، بل إعادة تشكيل الوعي الجمعي السوداني ليتقبل دون وعيٍ فكرة “الوصاية المصرية”. هذه الوصاية كانت وما تزال عقبة أمام ميلاد السودان الحرّ المستقل، السودان الذي يقرر لنفسه، ويختار حلفاءه، وينظر إلى جيرانه بندّية لا بانبهار.
لكن التاريخ لا يرحم المراوغين. فاليوم، وبعد أن انكشفت خيوط اللعبة، بدأ الوعي السوداني الجديد يتشكل من رماد التجارب، ليعيد تعريف العلاقة بين الدولتين على قاعدة الاحترام المتبادل لا التبعية. فالمستقبل، كما يُقال، لا يُكتب بالوصاية بل بالإرادة، ولا يُصاغ بالهيمنة بل بالكرامة.
“من لا يملك قراره، سيُكتب تاريخه بيد غيره” — نيلسون مانديلا
إن مصر التي سعت لعقود إلى صياغة السودان وفق مقاسها، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد؛ فالسوداني الذي عرف كيف يُسقط الطغاة، قادر أن يُسقط الوصاية أيضًا. وما بين التاريخ والجغرافيا، هناك مساحة لا تزال تُنبت فيها شجرة الوعي، تسقيها دماء الشهداء وتجارب المرارة، لتقول للعالم:
إن السودان ليس ذيلًا لنهرٍ، بل منبعُ سيادةٍ ونهرُ كرامةٍ يجري ضد التيار.




