
مني عبدالله دلدوم
ارحلوا تبا لكم! هذا النداء ليس مجرد كلماتٍ تقال في لحظة غضب، بل صرخةٌ نابعة من صدر شعبٍ أنهكه الجوع والقتل والخيبة. لقد سئم الناس الوعود الكاذبة والخطابات المتخشبة التي تزّين الخراب وتغلف الجرائم بمصطلحاتٍ رنانة. كفى ذرائع. كفى تبريرات. كفى أن يُباع الوطن بدماء أبنائه.
ما نشاهده اليوم ليس سياسة، بل نهب منظّم لحياة الناس ومستقبلهم. منازلٌ تنهار، ومستشفيات تُقصف، ومدارسٌ تصبح ملاجئ خوفٍ ومرمى لذخائرٍ لا تعفي أحداً من المسؤولية. الأطفال هم الضحايا الأوائل — لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في زمنٍ قرر فيه من بيدهم القرار أن يحوّلوا البلاد إلى مسرح للقتل. هؤلاء الأطفال لا يسألون عن حساباتٍ جيوسياسية؛ هم يسألُون عن رغيف خبزٍ، عن ماءٍ نظيف، عن دواء لمرضٍ يمكن علاجه لو توفرت الإرادة الإنسانية.
الناس اليوم لا يطلبون الخلود في السلطة، بل يطلبون أبسط الحقوق: الأمان، الكرامة، لقمة نظيفة، عناية طبية، تعليم لأطفالهم. لكن السلطة تحوّلت إلى تجارةٍ رخيصة تُدار بحسابات صغيرة وقلوبٍ قاسية. كل يومٍ يمضي يزداد الخراب، وكل صمتٍ عن الجريمة يزيد عدد القتلى. إن السكوت أو المشاركة السياسية التي تغض الطرف هي بصمة في سجل الجريمة، والتاريخ لن يرحم من ساهم في استمرارية هذا الجنون.
لا أطلب معجزات، ولا أرفع راية انتقام. أطالب بالإنسانية أولاً. أطالب بوقفٍ فوري لإراقة الدماء، بفتح ممرات إغاثة حقيقية، بحماية المدنيين بلا شروط. أطالب بحسابٍ قضائيٍ لكل من أمر وصدّق وشارك وساعد في تحويل الوطن إلى خرائب. لا مكان هنا للمبررات الدينية أو القبلية أو العشائرية التي تُستخدم لتمرير الجريمة. الوطنية الحقيقية أن تحفظ حياة الناس قبل أن تحفظ الكراسي.
إرحلوا إن كنتم تحملون ذرة حياء. اتركوا الشعب يعيش. إن لم يكن في قلوبكم ذرة رحمة، فلتحسبوا حساب الغضب القادم؛ ليس غضبًا عابرًا بل قوةٌ ستمحو كل من ساهم في هذه المأساة من ذاكرة الأمة. الشعب لا ينسى، والجرح الذي لا يعالج يتحول إلى دافعٍ للانتقام أو للتغيير الجذري.
لن نرضى أن يكون وطننا مسرحًا لأهواءٍ ضيقة. السودان، بأرضه وتاريخه وثرواته، أكبر من أن يتحول إلى ساحة قتالٍ لقلوبٍ مريضة. الأجيال القادمة ستطلب حساب من كل من جعل حياتهم مستحيلة، وستنطق المحكمة الأخلاقية بالرفض لكل من اختار الطمع على حساب الناس.
ارحلوا تبا لكم — ليس لأنني أبحث عن استغلال الضعف، بل لأنني أصرخ باسم الملايين الذين لم يعد لهم صوت. ارحلوا كي يعود الوطن لأهله، ارحلوا كي لا يموت المزيد من الأبرياء، ارحلوا كي لا يكتب التاريخ أسماءكم في صفحات العار. واليوم، قبل الغد، يجب أن يكون الخيار واضحاً: إما أن تكونوا جزءاً من الحل، أو أن تتخلوا عن السلطة لتتركوا للشعب فرصة استعادة حياته وكرامته.




