
إبراهيم الشيخ بشاره يعقوب
في السودان، حيث الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتشابك منذ عقود، يصبح دور المثقف أكثر إلحاحًا. فالمثقف الحقيقي لا ينغلق في أبراج المعرفة ولا يكتفي بالتنظير، بل يقرأ نبض الناس، ويعبر عن آلامهم وآمالهم، ويسهم في توجيههم نحو مسارات أكثر وعيًا ورشادًا.
لكن، وعلى الرغم من هذه المكانة، لم يكن أداء جميع المثقفين على مستوى التحدي. فبعضهم اختار الاصطفاف خلف السلطة أو خلف مراكز النفوذ، متنازلًا عن استقلاليته الفكرية، بل ومشاركًا في تزييف وعي المجتمع وتبرير القمع. وآخرون انسحبوا إلى الهامش، مكتفين بالنقد في الدوائر الضيقة أو بالخطاب النخبوي المنفصل عن واقع الناس، وهو ما جعل صوتهم غير مسموع في لحظات كان الوطن في أمسّ الحاجة إليهم.
إن الأزمات لا تقتصر على الفقر وغياب الخدمات، بل تمتد إلى تراجع المعنويات وفقدان الثقة. وهنا كان يمكن للمثقف أن يكون صانع أمل، يزرع قيم التضامن والعمل المشترك. لكن غياب المبادرة لدى البعض، وانغماسهم في جدالات عقيمة أو حسابات شخصية، جعل دورهم ضعيفًا أمام ضخامة التحديات.
ومع ذلك، يظل الأمل معقودًا على المثقف الحرّ الذي يربط المعرفة بالفعل، ويحفظ الهوية والقيم من التآكل، ويجسد في سلوكه معنى النزاهة والاستقامة. فالأمة التي تفقد مثقفيها الأحرار، تفقد مرشدها الأخلاقي والبوصلة التي تعينها على تجاوز أزماتها.
إن السودان اليوم، في ظل ما يمر به من مخاض عسير، يحتاج إلى مثقفين لا يكتفون بالكتابة أو التنظير، بل ينخرطون بصدق في قضايا الناس، يواجهون الزيف، ويدفعون بالكلمة الصادقة نحو بناء وعي مقاوم، حتى تتحول المعرفة إلى قوة تغيير حقيقية تعبر بالمجتمع من ظلام الأزمة إلى أفق الحرية والسلام والتنمية.




