
النهايات ليست مجرد لحظة انطفاء، وليست توقفًا عابرًا على طريق الحياة. النهايات في حقيقتها إعلان صريح بأن دورة كاملة قد اكتملت، وأن صفحة جديدة تستعد لتُفتح. النهايات تحمل في طياتها رسائل للوعي الجمعي، تُذكّرنا أن دوام الحال من المحال، وأن ما يُبنى على الوهم والاستبداد لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
لقد آن أوان الرحيل لهولاء الحقبة المثقلة بالألم والخذلان، آن أوان أن تُغلق الأبواب التي ظلّت تحجب عن الناس نور الأمل، آن أوان أن يُرفع الغبار عن وجه هذا الوطن المنهك ليطلّ فجره من جديد. التاريخ علّمنا أن الظلم لا يستمر، وأن صوت الشعوب مهما أُريد له أن يُخنق، يعود أقوى وأكثر رسوخًا، يهتف من بين الركام مطالبًا بالحرية والكرامة.
هذه النهايات ليست لعنة عابرة، بل هي حصاد طبيعي لما زُرع من قسوة وتهميش. إنها لحظة الحساب التي لا يُمكن دفعها إلى الغد، ولا يمكن تجميلها بالشعارات. إنها الحقيقة التي تواجهنا اليوم بلا أقنعة: لا مكان بعد الآن للظلام حين يشتعل وعي الناس، ولا مكان للاستبداد حين يتنفس الناس هواءً جديدًا مليئًا بالإصرار على التغيير.
إنها لحظة الشعب؛ لحظة الذين حلموا طويلًا، صبروا طويلًا، انتظروا طويلًا. لحظة البسطاء الذين دفعوا ثمن العيش الكريم من جوعهم وصبرهم ودموعهم. إنها ساعة الذين لم يملكوا سوى الأمل، ولم يرفعوا إلا أصواتهم، ولم يتكئوا إلا على قوة الإيمان بأن الحق لا يموت. هؤلاء هم الذين يكتبون اليوم سطور الخاتمة لتلك المرحلة، ويضعون نقطة النهاية في كتاب طال كثيرًا.
لكن، يا سادة، النهايات ليست موتًا بقدر ما هي ولادة جديدة. فكما يسقط الورق اليابس في الخريف لتُزهر الأشجار في الربيع، كذلك تنهار العصور المظلمة لتُشرق شمس العدالة من جديد. النهايات ليست جحيمًا، بل جسرٌ يعبر بنا إلى المستقبل.
فلنستعد للبداية، بداية تُبنى على الوعي، على قيم المشاركة، على وحدة الهدف، على إدراك أن الوطن أكبر من الأفراد وأعظم من المصالح الضيقة. بداية تُعيد ترتيب الأولويات: تعليم، صحة، حرية، عدالة، وكرامة إنسانية.
إنها النهايات يا سادة… لكنها أيضًا البدايات. فلنطوِ الصفحات العجاف، ولنتركها لمزبلة النسيان، ولنفتح صفحات جديدة بيضاء تُكتب بأقلام النور. وليكن شعارنا أن الشعوب لا تُهزم، وأن صوت المساكين لا يسقط، وأن فجر العدالة آتٍ مهما طال الليل.
منى عبدالله دلدوم




