رأي

أولويات المرأة في الطريق؛ إلى حكومة تأسيس سلام (٣-١٠)؛

د.فاطمة الزين الغالي

ما الذي تريده المرأة الخارجة من الحرب بعد أن فقدت بيتها، وتشرّدت مع أطفالها بين الخيام والطرقات؟ إنها لا تبحث عن ترفٍ ولا عن زينة، بل عن جدار يحميها من الريح، وسقفٍ يأوي أبناءها من البرد والمطر، ومكانٍ صغير تقول عنه بثقة: هذا بيتي. المأوى بالنسبة لها ليس مجرد مسكن، بل هو بداية جديدة تعيد إليها الإحساس بالكرامة والأمان بعد رحلة مريرة مع الخوف والتشريد.
النساء اللواتي أحرقت الحرب بيوتهن أو أجبرتهن على تركها يعرفن معنى أن يُسلب منك الدفء، أن تفتقدي مكانًا يحفظ أسرارك، أن تري أطفالك ينامون على الأرض بلا غطاء كافٍ. لهذا يصبح السكن الآمن حلمًا كبيرًا يساوي في نظرهن الحياة نفسها، لأن البيت هو أول مدرسة للأطفال، وهو المساحة التي تستعيد فيها الأم قوتها لتنهض من جديد. فلا تعليم يستقيم بلا مأوى، ولا صحة تُصان في العراء، ولا أسرة تتماسك بين أطلال الخراب.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى عملٍ جاد يتجاوز الحلول المؤقتة. الخيمة قد تقي ليلًا واحدًا، لكنها لا تبني حياة. المطلوب هو مشروعات إسكان تحفظ للمرأة كرامتها، بيوت صغيرة لكنها متينة، تفتح أبوابها للأمل، وتغلق أبواب الخوف. المطلوب شراكات واسعة بين الدولة والمنظمات الإنسانية، وقوانين تضمن حق السكن كحق أصيل لكل إنسان، ومبادرات محلية تُشرك المجتمع في إعادة البناء. فالمسألة ليست هندسة حجر فحسب، بل إعادة بناء ثقة الإنسان في وطنه.
إن المرأة حين تملك بابًا تُغلقه بيدها تشعر أن الحرب قد انتهت فعلًا، وأنها لم تعد مطاردة ولا مهددة. المأوى الآمن بالنسبة لها هو رسالة تقول: لكِ مكان هنا، أنتِ جزء من هذا الوطن، وهذه الأرض بيتك من جديد. لذلك فإن حكومة تأسيس مدعوة لأن تجعل من السكن الآمن أولوية قصوى، لأنه ليس مجرد مطلب إنساني للنساء، بل هو الشرط الأول لبناء السلام الحقيقي، وسبيكة تربط بين المرأة وأسرتها وبين الدولة التي تحلم بها.

نواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!