رأي

ليكن الله في عون السودان.

مني عبدالله دلدوم

 

مني عبدالله دلدوم 

في قلب القارة السمراء، يقف السودان اليوم شاهداً على واحدة من أقسى المآسي الإنسانية المعاصرة. بلد أنهكته الحرب، وأثقلته الكوارث الطبيعية، وحاصرته أزمات صحية وبيئية لا ترحم. السودان، الذي لطالما عُرف بأرض النيلين وخصوبته وسعة خيراته، أصبح اليوم عنواناً للصبر والجَلَد، وميداناً لصراع الإنسان مع قسوة القدر وظلم البشر معاً.

منذ اندلاع الحرب الأخيرة، يعيش الملايين تحت رحمة الرصاص والدمار. بيوت تهدمت، ومدن تحولت إلى أطلال، وأحلام جيل كامل تبعثرت مع غبار المعارك. المدنيون وحدهم من يدفعون الثمن الأفدح، إذ يجدون أنفسهم محاصرين بين نيران الأطراف المتقاتلة، بلا مأوى ولا دواء ولا قوت. في كل زاوية من زوايا البلاد، دمعة أم ثكلى، وصرخة طفل جائع، وحنين لاجئ يتمنى العودة إلى وطن آمن.

لكن الحرب ليست وحدها ما ينهش جسد السودان. فمع أزيز الرصاص، تتسرب جيوش أخرى من الأعداء: أسراب البعوض تحمل في طياتها أمراضاً فتاكة كالملاريا وحمى الضنك. وفي بلد أنهكته قلة الخدمات الصحية، يصبح البعوض خصماً لا يقل شراسة عن المدافع والدبابات. المستشفيات تعج بالمرضى، والأطباء يعملون بأدوات شحيحة وإمكانات شبه معدومة، فيما يزداد عدد الضحايا يوماً بعد يوم.

وكأن هذا لم يكن كافياً، جاءت الفيضانات لتغمر ما تبقى من الأراضي والقرى. مشاهد المياه وهي تقتحم البيوت الضعيفة، وتجرف المحاصيل، وتترك خلفها بؤساً وغباراً، تزيد الجراح اتساعاً. ومع تداخل الكوارث، يجد السوداني نفسه محاصراً من كل اتجاه: حرب تقتلع الأمان، بعوض ينهش الجسد، وفيضانات تجرف ما تبقى من الاستقرار.

 

لكن، وسط كل هذا الظلام، تظل شجاعة الشعب السوداني مدهشة. رجال ونساء وأطفال، يقاومون بصدور عارية، ويُظهرون عزيمة نادرة على البقاء. في كل قرية ومدينة، تتشكل مبادرات أهلية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لإطعام الجائعين، ولإيواء النازحين. التضامن الشعبي بات السلاح الأقوى في وجه قسوة الحرب وتقلب الطبيعة.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى العون الحقيقي. يحتاج إلى صوت العالم، وإلى تضامن المجتمع الدولي، وإلى خطط إنقاذ عاجلة تعيد الأمل وتخفف الكارثة. فالأوطان لا تُبنى بالبيانات وحدها، بل بالعمل الجاد، والدعم الملموس، والاعتراف بمعاناة شعب يواجه أكثر من معركة في وقت واحد.

ليكن الله في عون السودان، هذا البلد الجريح الذي لم يفقد رغم كل شيء حبه للحياة. ولعل في صبره وبسالته رسالة للعالم كله: أن الإنسان، مهما اشتدت المحن، يظل قادراً على التمسك بإنسانيته. السودان اليوم ليس مجرد عنوان للأزمات، بل شاهد على قدرة البشر على الصمود في وجه العواصف، وعلى أن إرادة الحياة أقوى من الموت والدمار.

رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وحمى الأطفال والنساء، وجعل من صبر هذا الشعب طريقاً إلى مستقبل يليق بتضحياته. السودان يستحق الحياة، ويستحق أن ينهض من جديد

منى عبدالله دلدوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!