رأي

السودان بين نار الحرب وغضب الطبيعة

عادل تاج الدين جار النبي

 

عادل تاج الدين جار النبي

يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية قسوة وتعقيدًا، حيث تتقاطع الكوارث الطبيعية مع أهوال الحرب في مشهد يختزل حجم الانهيار الذي وصلت إليه الدولة والمجتمع. فمع استمرار النزاع المسلح الذي أنهك البلاد وأضعف مؤسساتها، جاءت الفيضانات والأمطار الغزيرة لتكشف هشاشة البنية التحتية وعجز السلطات عن إدارة الأزمات، فيما تفشت الأوبئة والأمراض وعلى رأسها حمى الضنك، لتشكل معاناة إنسانية مركّبة تطال ملايين المواطنين.

الفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة تسببت في خسائر بشرية ومادية جسيمة، حيث انهارت منازل وتشردت أسر وتلفت أراضٍ زراعية كانت مصدر رزق رئيسي لكثير من العائلات. البنية التحتية المتهالكة لم تصمد أمام قوة الطبيعة، فانقطعت المياه والكهرباء وتضررت شبكات الصرف الصحي، وتحوّلت الشوارع إلى برك من المياه الراكدة التي أصبحت بيئة مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض. لم تكن هذه الأحداث مفاجئة أو غير متوقعة، إلا أن ضعف الاستعداد المسبق وسوء إدارة الكوارث جعلا آثارها أكثر قسوة وأوسع نطاقًا.

وفي ظرف الفيضانات، و تصاعد خطر حمى الضنك التي انتشرت بسرعة بين السكان، مدفوعة بعوامل عدة أبرزها تراكم المياه الراكدة وضعف حملات الرش والمكافحة، بالإضافة إلى التدهور الكبير في القطاع الصحي. المستشفيات القليلة العاملة في البلاد تعاني من نقص في المعدات والأدوية والكوادر، ما جعلها عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى. ومع غياب خطط التوعية والوقاية، وجد كثير من المواطنين أنفسهم في مواجهة المرض دون دعم أو حماية حقيقية.

كل ذلك يحدث في ظل استمرار الحرب التي عمّقت الأزمة وأفقدت الدولة قدرتها على الاستجابة الفعالة. فالصراع المسلح استنزف الموارد المادية والبشرية، وشتت مؤسسات الدولة، وجعل الاهتمام ينصب على المعارك السياسية والعسكرية بدلًا من إنقاذ الأرواح وتقديم الخدمات الأساسية. الحرب لم تكتفِ بتمزيق البلاد جغرافيًا واجتماعيًا، بل حرمتها كذلك من فرص التخطيط والتنمية والاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية. ومع كل جولة عنف جديدة، يتراجع الأداء الحكومي أكثر، وتتعقد قدرة المجتمع على الصمود في وجه التحديات البيئية والصحية.

المشهد السوداني اليوم هو نتيجة تراكم طويل من الإهمال وسوء الإدارة، لكنه أيضًا تحذير واضح من مستقبل أكثر قتامة إن لم تتغير السياسات والأولويات. فالكوارث الطبيعية قد تكون حتمية، لكن حجم آثارها قابل للتقليل إذا ما وُجدت دولة قوية تخطط وتستعد وتستجيب بفعالية. أما استمرار الحرب فإنه يجعل أي أزمة مهما كانت طبيعتها أكثر تعقيدًا وأشدّ أثرًا، ويحولها من حادثة مؤقتة إلى كارثة شاملة.

إن ما يحتاجه السودان اليوم يتجاوز الحلول المؤقتة والترقيعية، فهو بحاجة إلى رؤية شاملة تعيد بناء مؤسساته وتستثمر في بنيته التحتية، وتضع حياة المواطن في صدارة الأولويات. وقف الحرب ليس مجرد مطلب سياسي، بل شرط أساسي لحماية المجتمع من كوارث الطبيعة ومن الأوبئة التي تحصد الأرواح في صمت. بدون ذلك، سيبقى السودان عالقًا في دوامة من الأزمات المتلاحقة، حيث تتناوب عليه الحرب والطبيعة في تقويض ما تبقى من مقومات الحياة.

دالاس/تكساس 

الجمعة الجامعة ٣ أكتوبر ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!