
مؤيد الأمين
في وقت لا تزال فيه البلاد ترزح تحت نار الحرب والانقسام السياسي، عقدت اللجنة العليا لمراجعة مناهج التعليم اجتماعها الثالث بأم درمان، مستعرضة تقارير اللجان الفرعية للتعليم قبل المدرسي والأساسي والثانوي. ورغم أن الحدث يبدو في ظاهره نشاطًا فنيًا دافعُه تطوير العملية التعليمية، إلا أن القراءة المتأنية لسياقه السياسي، وطبيعة المشاركين فيه، والتوقيت الذي جرى فيه، تكشف أسئلة كبرى حول شرعية الخطوة ونوايا الجهات التي تحاول إعادة هندسة وعي الأجيال في ظرف استثنائي.
1. من يملك حق تعديل المناهج؟
من حيث المبدأ، تُعد المناهج واحدة من أكثر الملفات حساسية في أي دولة. فهي ليست مجرد كتب ودروس، بل هي حامل أساس للهوية الوطنية، ومساحة لصياغة القيم والمفاهيم التي تُشكّل عقل الجيل القادم. ولهذا، لا يجوز بأي حال أن تُراجع أو تُعدّل في غياب مؤسسات شرعية منتخبة أو حكومة معترف بها شعبياً.
اليوم، وفي ظل فراغ سياسي كامل وغياب سلطة تنفيذية ذات تفويض شعبي، تبرز الإشكالية الأكبر: كيف تُتخذ قرارات مصيرية كهذه دون سند قانوني أو دستوري؟
وجود لجان مكوّنة من خبراء تربويين لا يعالج المشكلة، لأن جوهرها ليس فنياً بل سياسياً وسيادياً. فالشرعية التربوية لا تُولد في الاجتماعات المغلقة، بل عبر مشاركة المجتمع ومؤسساته المدنية ونقابات المعلمين، وهي جهات مغيّبة بالكامل من هذا المسار.
2. وثيقة 2013… العودة إلى نقطة الكيزان
أحد أخطر ما ورد في الاجتماع هو الإشادة بوثيقة المناهج لعام 2013 باعتبارها “شاملة ومتطورة ويمكن أن تصلح قاعدة للتطوير”. هذه الوثيقة وُلدت أصلاً في ظل سيطرة النظام الإسلاموي، وكانت محل نقد واسع من المختصين لأنها حَمَلت الكثير من الحمولة الإيديولوجية التي حاولت الحركة الإسلامية زرعها في التعليم.
إذن، حين تعود اللجنة الحالية إلى تلك الوثيقة، وتعتبرها أساساً للمرحلة القادمة، فإن الأمر لا يبدو بريئاً. بل يشير إلى عودة تدريجية للرؤية الكيزانية القديمة، وإحياء مضامين تربوية صيغت لخدمة مشروع سياسي محدد، لا لخدمة السودان كدولة متعددة الهويات.
3. التوقيت… هل هو صدفة؟
توقيت الاجتماع ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه. البلاد اليوم بلا حكومة شرعية، ولا برلمان، ولا مؤسسات دولة مستقرة، والناس تحت القصف والجوع والنزوح. ومع ذلك تُعقد الاجتماعات وتُناقش الوثائق وتُرفع التوصيات وكأن البلاد في حالة استقرار نموذجي.
هذه المفارقة تكشف أن هناك جهة تستغل الفراغ السياسي والحرب لتعيد ترتيب الملفات السيادية بما يخدم مشروعها. فالقرارات الخطيرة تُمرّر دائماً في اللحظات التي ينشغل فيها الناس بالبقاء على قيد الحياة.
4. التعليم… آخر قلاع السيطرة
منذ سقوط النظام السابق، كان التعليم أحد أكبر المخاوف لدى بقايا الكيزان. المناهج الجديدة التي طُرحت بعد الثورة بدأت تُحمّل قيماً معاصرة، وتؤسس لوعي نقدي، وتفكّك كثيراً من المسلّمات التي زرعها النظام الإسلاموي خلال ثلاثة عقود.
لذلك لم يكن مستغرباً أن ينقضّوا على هذا الملف فور انشغال البلاد بالحرب. فالمنهج ليس مجرد كتب، بل هو مفتاح صناعة العقل الجمعي. ومن يسيطر عليه يسيطر على المستقبل.
إحياء معاهد التعليم التربوي، وتأكيد “قياس رجع الصدى”، تبدو في ظاهرها خطوات تطوير، لكنها في سياق السيطرة الكيزانية تعني إعادة تأهيل كوادر موالية، وضخّ رؤية واحدة في جسم التعليم، وإقصاء أي تعددية أو استقلالية تربوية.
5. تجاهل الشعب… واحتكار القرار
يطرح هذا المشهد سؤالاً مصيرياً: أين الشعب من هذا النقاش؟ أين لجان المقاومة؟ أين نقابة المعلمين الشرعية؟ أين الباحثون المستقلون؟
في كل تجارب الدول المستقرة، تُفتح مشروعات مراجعة المناهج للنقاش العام، ويشارك فيها الأهالي والمعلمون والأكاديميون والمجتمع المدني. أما أن تُدار العملية عبر لجان مغلقة في لحظة هشاشة وطنية، فهو مؤشر خطير على أن القرار غير جماهيري.
التعليم ملك للشعب، لا للحكومة المؤقتة ولا للمجموعات المسيطرة.
6. هل هو تطوير… أم إعادة إنتاج الهيمنة؟
عندما نضع كل العناصر في سياق واحد—التوقيت، الخطاب المستخدم، العودة لوثيقة 2013، غياب المؤسسات الشرعية، تغييب المجتمع، والاستفادة من الحرب يتضح المشهد بجلاء:
هناك محاولة لإعادة فرض الوصاية الكيزانية على ملف التعليم بعد أن فقدوا السيطرة عليه في سنوات ما بعد الثورة. يحاولون اليوم إعادة هندسة المناهج بصمت، وإعادة إدخال رؤيتهم داخل المقررات، مستثمرين الحرب التي شتتت الناس وجعلت القضايا التربوية أقل حضوراً في النقاش العام.
هذا المسار، إذا ترك دون مقاومة مجتمعية، سيُنتج جيلاً مشوّهاً، محمّلاً بخطاب إيديولوجي قديم، وغير قادر على مواكبة العالم أو بناء دولة حديثة.
7. المطلوب الآن
ليس المطلوب تعطيل تطوير المناهج، بل المطلوب أن يتم وفق شرعية واضحة وثقة مجتمعية ومشاركة واسعة. يجب أن يكون النقاش عاماً، لا محصوراً في غرف مغلقة. يجب أن يقوده مختصون مستقلون، لا أصحاب أجندات سياسية.
والأهم: لا يمكن لأي جهة أن تجيز تعديلات تربوية في غياب حكومة منتخبة، أو على الأقل سلطة انتقالية متوافق عليها شعبياً.
خلاصة
إن ما يحدث الآن في ملف المناهج لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي. الاجتماعات التي تُعقد اليوم، في قلب الحرب، وبلا شرعية، وبلا مشاركة شعبية، ليست سوى خطوة جديدة في مشروع قديم يهدف للسيطرة على العقل السوداني. مشروع يستغل الفوضى ليعيد إنتاج نفسه، ويُعيد البلاد إلى زمن الوثائق الكيزانية التي لفظها الشعب بثورته.
الصمت إزاء ذلك أخطر من الحرب نفسها، لأنه حرب على المستقبل، على الوعي، وعلى ما سيصبح عليه أبناء السودان في السنوات المقبلة




