
علي سانتينو
في السودان، لا تنتهي الجريمة بموت مرتكبيها، بل تتوارثها الأجيال كما يُورَّث السلاح والجاه والسلطة. هنا، كل انقلاب يلد انقلاباً آخر أكثر دمويةً، وكل قاتل يورّث ضحيته قاتلاً جديداً. كأن الدم هو العُملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها في سوق السياسة السودانية.
في آخر لقاء جمع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة تأسيس السودان الفريق أول حمدان حميدتي بقوى مدنية وسياسة في دارفور، ألقى الرجل تصريحاً انشطارياً كالقنبلة، حيث أشار صراحة إلى تورّط قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في تصفية مدير عام الشرطة، الفريق نصر الدين، وينحدر نصر الدين من غرب السودان. لم يكن التصريح عابراً، ولا صادراً عن رجلٍ عُرف بالمجاملة والتزييف، بل عن شخصٍ لا يعرف الكذب ابداً، ومع ذلك فقد خبر دهاليز السلطة ورأى بعينيه كيف تُدار ماكينة القتل في هذا البلد المنكوب.
إنّ اغتيال نصر الدين إن صحّ لايعتبر حدثاً استثنائياً في سجلّ المؤسسة العسكرية، بل هو حلقة أخرى في سلسلةٍ طويلة من التصفيات التي طالت رموزاً من داخلها وخارجها، من الزبير محمد صالح إلى اروك طون اروك وابراهيم شمس الدين من بينهم اعضاء مجلس قيادة انقلاب الانقاذ، ومن محمود محمد طه إلى جون قرنق إلى حسن الترابي، وكثيرين طُمست أسماؤهم في دهاليز الظلام، يتكرّر المشهد ذاته، من يعارض يُمحى من المشهد، ومن يفكر يُصفّى، ومن يرفع رأسه يُكسر.!
ما يجري ليس تنازعًاً على الكراسي، بل منهج حياة لمؤسسةٍ عاشت على فكرة أن الوطن غنيمة، وأن من يحكم يحق له أن يصفي ويقتُل ليبقى. هذه عقلية لم تولد اليوم، بل تمتد جذورها إلى ما قبل الاستقلال، حين تشكّل الوعي السياسي على فكرة السيطرة العرقية والاحتكار الجهوي للقرار. وهكذا ظلّ الحكم في السودان يدور في فلك ضيق على ضفاف النيل، تديره نُخب لا ترى في الآخرين سوى رعايا عليهم السمع والطاعة أو المقابر. وما البرهان ليس سوى وجهٍ جديد لمدرسةٍ قديمة، مدرسةٍ ترى في الدم أداةً للحكم وفي الخوف وسيلةً للبقاء. كلّ من سبقوه من السفاحين ساروا على ذات الدرب، من النمير إلى البشير، يرفعون شعار الوطن ثم يعطنونه في الدم حين يشتد الخناق. هذه هي الدولة التي تُدار بالسيف والبندقية، وتُحكم بالاغتيال والتصفيات، وتُسكت العقول الحُرة بالرصاص قبل أن تنطق بالكلمة!
إنّ مقتل الفريق نصر الدين كغيره ليس حادثاً معزولاً عن مايتم في عُش الدبابير، بل رسالة متكررة مفادها أن من يحاول إصلاح هذه المنظومة او حتى مجرد تقويمها سيكون مصيره التصفية والاعدام. فلا عدالة في دولة أسست نفسها على الغدر والخيانه، ولا وطن حُر في ظل سلطة تُحاكم الفكر بالرصاص وتكتب شرعيتها بدماء الشرفاء.
لكن الذي يجب ان يفهمة الطاغة ان لكل دمٍ ثمن، ولكل سفّاحٍ ساعة. فما من قوةٍ قادرة على كتم أنين الوطن إلى الأبد، وما من رصاصةٍ تستطيع أن تنسف الحقيقة او تخرصها مهما اخترقت الجسد. إنّ هذا البلد سيأتي يومٌ يُساق فيه القتلة إلى المحاكم لا المنصات، وستُكسر فيه سطوة السلاح أمام قوة العدالة والقانون، فقد اقتربت الساعة. فالتاريخ لا يرحم، والدم لا ينسى، والذين صنعوا من الوطن مقصلة لأبنائه الشرفاء، سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف تحت شفرته. ولعلّ ذلك اليوم لن يتأخر كثيراً، لأن النار حين تشتعل في الهشيم، لا تفرّق بين من أشعلها وبين من وقف يتفرّج عليها. من اعدم الفريق نصر الدين سيُعدم ولو طال السفر.




