رأي

حين ارتجفت خزائن الجلابة

حسن النعمان

 

 حسن النعمان 

لقد وصل الخوف إلى جيوب التجار وأصحاب المصالح التاريخية، حين انكشفت الحقيقة، وسقطت آخر الأوراق التي طالما أُخفيت خلف شعارات الوطنية الزائفة والامتيازات المصنوعة بعناية منذ تأسيس دولة 56.

في ذلك الاجتماع المشحون بالتوتر، لم تعد اللجنة الأمنية تتحدث بالتلميح أو التورية، بل خاطبت الحضور بوجهٍ عارٍ من المجاملة، وقالت لهم بلا خجل ولا تدليس:

“من أين لكم هذا؟ نحن نعرف.”

ساد الصمت لوهلة، كأن الكلمات نزلت على الرؤوس نزول المطرقة على الحديد الساخن.

ثم انبرى أحد المتحدثين، وقد اختلط الغضب بالخوف في نبرته، وقال:

“نحن نعطي عرقنا وعرق أولادنا للعبيد الغرابة!”

لكن الصمت لم يطل.

إذ لم يستطع ياسر أن يكتم ما بدا أنه أُعدّ له مسبقًا؛ فأخرج ورقة من يده، كانت مطوية بعناية، وكأنها شهادة اتهام مؤجلة منذ عقود.

رفعها أمام الحضور وقال بحدة:

“تعبك وتعب جدك؟ أنا أوريك تعبكم ده جا من وين.”

كان واضحًا أن السائل من أولئك الذين جمعوا الثروة من عرق المساكين، لكنه لم يفهم يومًا معنى كلمة “مسكين”.

ثم واصل الحديث، وكأن أبواب التاريخ قد فُتحت دفعة واحدة:

“ألم تسألوا أنفسكم يومًا لماذا كل الشركات الكبرى — على قول الغرابة — مملوكة للشماليين؟

ألم تسألوا لماذا كل البنوك في السودان مديروها من الشمال؟

لماذا المصانع الكبيرة والصغيرة، والمعامل، والمصالح التجارية، كلها عندكم؟

رغم أن الغرابة أكثر منكم بأضعاف؟

ألم تسألوا أنفسكم من أين جاءت هذه الامتيازات؟

منذ تأسيس الدولة وحتى الأراضي والشاريع الزراعية ، لم تُمنح للغرابة إلا أطراف الخرطوم وأمدرمان.”

ثم سكت الرجل قليلًا، ولوّح بالورقة التي بيده، وقال بصوتٍ أشبه بالحكم النهائي:

“هنا في هذه الورقة… ستة وثلاثون ألف مشروع، ما بين مصانع ومعامل وشركات وغيرها، كلها يملكها الشمال فقط.

هل جئتم بها رجالة؟

أبدًا…

دي سياسة بدأت منذ 56.”

حينها اضطربت القاعة.

تداخلت الوجوه بين مؤيدٍ ورافض، وبين من ابتلعته الصدمة ومن حاول أن يهرب من عينيه.

كان الاجتماع أشبه بمحكمة تاريخية، تُقرأ فيها أفكار الحاضرين قبل كلماتهم.

ثم نهض كبيرهم، الرجل الذي اعتاد الجميع أن يصمتوا حين يتحدث:

Abdel Fattah al-Burhan

فاستمعوا إليه كأن على رؤوسهم الطير؛ لا حركة، لا همس، فقط جدران وآذان.

قال لهم بصوتٍ مثقل بالواقعية والخوف:

“الغرابة كُثار…

والناس القدّروا بينا عندهم إرث طويل في الحروب.

ولو قاتلناهم ليل نهار، ما بنقدر نهزمهم إلا في الإعلام.”

ثم اقترب من لبّ الفكرة، الفكرة التي تختصر فلسفة السلطة منذ عقود:

“تعالوا نقول ليكم النصيحة…

نحن عندنا أموال طائلة، والطريقة لهزيمة الغرابة هي المال… المال… المال.

وبعد هزيمتهم، نوفيكم…

نحن عارفين الزول العنده مليم، والزول العنده مليار.”

ثم ختم حديثه وغادر القاعة، تاركًا خلفه رجال الأعمال وأصحاب المصالح يكملون ما تبقى من تفاصيل الاجتماع، وكأنهم يقتسمون مصير دولةٍ بدأت تشعر أن الأرض تهتز تحت أقدامها.

وهكذا كانت تُساق دولة الجلابة؛

دولة قامت على احتكار الثروة والسلطة، ثم فوجئت يومًا بأن الذين ظنتهم هامشًا صاروا يملكون الوعي والغضب والذاكرة.

شكرًا لمن سرّب ما كان يُدار حصرًا خلف الأبواب المغلقة.

فالحقيقة، مهما طال دفنها، لا تموت.

إن الله عدل،

ولو كره المطبلون،

ولو كرهت دولة 56

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!