رأي

توحيد الصفوف: الدرس المستفاد من صمود الإسلاميين وتحذير من مستقبل السودان

عبدالله محمد ادم

 

عبدالله محمد ادم 

كمبالا 

“قد يخدعك الذكي مرة، لكن لن يخدعك التاريخ مرتين.” – (والتر بنجامين)

لم يكن سقوط نظام البشير في عام 2019 سوى فصل من فصول مسلسل طويل من الصراع على السلطة في السودان، فما أن حُلَّ حزب المؤتمر الوطني الذي حكم السودان بقبضة حديدية لثلاثة عقود، حتى بدأ أعضاؤه وقادته في إعادة تشكيل أنفسهم تحت مسميات جديدة وولاءات متغيرة. اليوم، وبعد سنوات من الحل الرسمي، نرى وجوهًا عديدة من ذلك النظام تعود إلى الواجهة من خلال تحالفات جديدة، بعضها يقف في صف الحكومة الحالية في بورتسودان، والبعض الآخر ينشط ضمن تحالفات الدعم السريع، مما يؤكد أن حل التنظيمات لا يعني بالضرورة انتهاء أفكارها وشبكات نفوذها.

ينحدر معظم الفاعلين الرئيسيين في المشهد السوداني الراهن من خلفية تنظيمية واحدة تمتد جذورها إلى الحركة الإسلامية السودانية التي قادت انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير وحسن الترابي. وقد تشكلت التوجهات السياسية والعقائدية لهؤلاء القادة خلال فترة نشاطهم في اتحادات الطلاب التي كانت تسيطر عليها الحركة الإسلامية تحت اسم “الاتجاه الإسلامي”، حيث تلقوا تدريبهم السياسي و الأيديولوجي الأول.

و قد شهد الجميع التحول من التنظيم الواحد إلى تيارين بعد الانقسام التاريخي داخل الحركة الإسلامية عام 1999، ليتشكل تياران رئيسيان:حزب المؤتمر الوطني بقيادة عمر البشير الذي استمر في الحكم و حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي في المعارضة و مع حل حزب المؤتمر الوطني في نوفمبر 2019، تفرق أعضاؤه بين مختلف المؤسسات والتنظيمات، لكنهم حافظوا على روابطهم وعلاقاتهم التنظيمية السابقة، و رغم تغير الأسماء والعناوين، إلا أن العقلية التنظيمية ظلت كما هي، حيث يجمع هؤلاء الفاعلون تاريخًا مشتركًا من العلاقات التنظيمية خلال حقبة حكم المؤتمر الوطني، سواء كموظفين كبار أو كقيادات في اتحادات الطلاب. وقد اعترف القيادي الإسلامي أحمد عبد الرحمن في عام 2012 بأن الخلاف بين التيارين الإسلاميين “يجافي الموضوعية كليًا” وأنه “خلاف شخصي وسلطوي فقط” بين البشير والترابي.

و يشير التاريخ الطويل للحركة الإسلامية إلى قدرتها على إعادة تشكيل نفسها باستمرار تحت مسميات مختلفة مع الحفاظ على جوهر فكرها. ففي الماضي، استخدموا اسم،جبهة الميثاق ، ثم الجبهة الإسلامية القومية، ثم حزب المؤتمر الوطني ثم انقسموا إلى المؤتمر الوطني و المؤتمر الشعبي، وكلها تحت مظلة الفكر الإسلامي السياسي نفسه .

هذه الخلفية التنظيمية المشتركة والعلاقات الشخصية الممتدة، و المصالح الاقتصادية المتشابكة وشبكات التمويل التي لم تنقطع حتى في عز العزلة بالاضافة الي المنهج الأيديولوجي القائم على فكرة التمكين واستغلال الفراغات السياسية

و الخبرة المتراكمة في إدارة الدولة العميقة والاحتفاظ بقوائم الموالين داخل المؤسسات، كلها تحديات يجب على القوى الحريصة على مستقبل السودان أن تدركه و ان تعلم أن الذكاء الحقيقي لا يكمن في رفع الصوت، بل في توقيت التواري، والتقاط لحظة الانقضاض بدقة، فالإسلاميون يمتلكون أدوات التعطيل والقدرة على استغلال اللحظات الرمادية في مسارات الانتقال، ولا يمكن مواجهتهم إلا بقراءة الواقع من عدة زوايا.

لذلك يجب بناء تحالف مدني واسع يجمع كل القوى الرافضة للعنف السياسي والتجارة باسم الدين و صياغة رسالة وطنية شاملة تقبلها كل مكونات الشعب السوداني وتلتف حولها و العمل علي فضح شبكات المصالح والفساد التي تربط بين الأطراف المتنازعة ظاهريًا و توثيق الانتهاكات السابقة والحالية لجميع الأطراف وعدم السماح بالإفلات من العقاب

لقد أصبح من الواضح أن التحالف السياسي الخليجي المصري بدأ يلتقط إشارات الخطر المحتملة من عودة الإسلاميين إلى السلطة في السودان. وقد تتقاطع الرؤى الخليجية مع المصرية في قناعة واحدة:هي أن أي فشل في الصيغة الحالية سيُشعل نارًا ستطال الاستقرار الإقليمي بأكمله.لكن ستبقي احتمالية إعادة توحد التيار الإسلامي تحت أي اسم بعد توقف الحرب ليس مجرد تخمين، بل هي استشراف للمستقبل مبني على قراءة الماضي والحاضر. فالإسلاميون في السودان، مهما زيّنوا صورتهم أو أعادوا تدوير خطابهم، يقفون اليوم على رمال متحركة، لكنهم ما زالوا يمتلكون قدرة على التلاعب بالفراغات واستغلال اللحظات الحرجة.

السؤال الذي يظل مطروحًا: هل تملك القوى المدنية والإرادة الشعبية الوعي الكافي والاستعداد اللازم لمواجهة هذا السيناريو قبل فوات الأوان؟ الإجابة لن تأتي من الكلام وحده، بل من توحيد الصفوف ووضع استراتيجية واضحة تعيد للسودانيين أمانيهم في الحرية والكرامة والعدالة، بعيدًا عن الاستبداد والعنف السياسي بكل أشكاله وألوانه.

والنظام الدولي، بكل ما فيه من تعقيد، لن يمنح الفرصة مجددًا لحركة أثبت التاريخ أنها لا تنمو إلا في ظلال الفوضى و العنف لكن سيظل دور السودانيين هو الاهم لتفويت الفرصة علي تجار الدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!