رأي

الدقير حين يساوم على دم ديسمبر: من خطاب الثورة إلى منطق التسويات المعيبة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

ليس كل تصريح سياسي زلة لسان، فبعض الكلمات حين تُقال في لحظات مفصلية تتحول إلى مواقف كاملة الدلالة، وإلى إعلان غير مباشر عن انتقالٍ من ضفة إلى أخرى. ما صدر عن رئيس حزب المؤتمر السوداني من قبولٍ مبدئي للحوار مع الحركة الإسلامية وواجهتها السياسية المؤتمر الوطني لا يمكن عزله عن سياقه، ولا تبريره بحجج البراغماتية أو ضرورات المرحلة. إنّه تصريح يتناقض بوضوح مع جوهر ثورة ديسمبر، ويصطدم رأسًا بوثائق موقعة ومواقف معلنة لحزبه نفسه، قبل أن يجف حبرها.

الغرابة في هذا التصريح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته ومعناه الرمزي. أن يُفتح باب الحوار مع منظومة صُنّفت سياسيًا وأخلاقيًا كمنظومة إرهابية، مسؤولة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفساد ممنهج واستبداد طويل، فذلك ليس اجتهادًا سياسيًا، بل تراجع صريح عن سردية الثورة. الكلمات حين تُقال في ذكرى ديسمبر لا تكون بريئة، لأن ديسمبر ليست مجرد تاريخ، بل ميزان أخلاقي، ومن لا يحتمل ثقلها يبحث دائمًا عن مخارج لغوية لتخفيف وقعها.

الثورة لم تندلع لتفتح موائد التفاوض مع جلاديها، ولم تضحِ بآلاف الشهداء لتعود إلى نقطة الصفر تحت مسميات جديدة. هناك فرق شاسع بين البحث عن تسوية وطنية شاملة وبين إعادة تدوير قوى الردة. الأولى تُبنى على العدالة والمحاسبة، والثانية تُبنى على النسيان القسري وتبييض الجرائم. ومن يخلط بين الأمرين، إما أنه لم يفهم معنى الثورة، أو أنه فهمها جيدًا وقرر الانسحاب منها بهدوء.

السياسة التي لا تستند إلى ذاكرة أخلاقية تتحول إلى سوق مساومات، ومن يفرّط في المبادئ تحت شعار الواقعية سرعان ما يكتشف أنه خسر الواقعية والمبادئ معًا. لقد وقّع حزب المؤتمر السوداني، مع غيره من القوى، على وثائق تُدين المؤتمر الوطني وتضعه في خانة المنظومات الإجرامية، فكيف يستقيم بعد ذلك الحديث عن حوار؟ هل تغيّرت طبيعة الجرائم؟ أم سقطت بالتقادم؟ أم أن الحسابات الإقليمية باتت أثقل من دم الضحايا؟

الأخطر في تصريح الدقير أنه لا يبدو معزولًا عن سياق إقليمي ضاغط، تحاول فيه أطراف خارجية، وعلى رأسها الدولة المصرية، فرض خطوط حمراء على المسار السوداني. وحين تفشل هذه الأطراف في تمرير أجندتها مباشرة، تبحث عن أصوات من الداخل تقوم بالمهمة تحت غطاء مدني. إثارة الغبار، خلط الأوراق، إرباك المشهد، كلها أدوات قديمة تُستخدم حين يُراد إجهاض موقف وطني جامع. ومن يظن أن الشعب لا يرى ذلك يسيء تقدير وعيه.

إن أخطر ما تواجهه القوى المدنية اليوم ليس العسكر وحدهم، بل الاختراق من الداخل، حين تتحول بعض القيادات إلى نقاط ضعف بدلاً عن أن تكون خطوط صد. فالقوى المدنية التي لا تُجري مراجعة صادقة لمعاييرها القيادية، ولا تُحاسب رموزها عند الانحراف، محكوم عليها بأن تُهزم أخلاقيًا قبل أن تُهزم سياسيًا. لا يمكن بناء مشروع تغيير بأدوات مرتبكة، ولا يمكن مواجهة دولة عميقة بعقول قابلة للمساومة.

الثورات لا تُهزم فقط بالدبابات، بل تُهزم حين يفقد قادتها وضوح البوصلة. ومن يتعامل مع قوى الإجرام كـ”طرف سياسي” قابل للحوار، إنما يمنحها ما عجزت عن انتزاعه بالقوة: شرعية العودة. التاريخ لا يرحم المترددين في لحظات الحسم، والحياد بين الضحية والجلاد ليس موقفًا وسطًا، بل انحياز مقنّع.

لقد خرج السودانيون في ديسمبر ليكسروا معادلة الخوف والتسويات القسرية، وليقولوا إن هذا البلد لا يُدار بمنطق الصفقات. ومن يعتقد أن التعب والإرهاق يبرران التنازل، لم يدرك بعد أن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تنسى. ومن يظن أن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر مصافحة القتلة، سينتهي به المطاف في عزلة سياسية وأخلاقية، لأن الدم لا يتحول إلى ورقة تفاوض، والعدالة لا تُجزّأ.

إن تصريح الدقير ليس مجرد رأي، بل ناقوس خطر يستدعي وقفة جادة. فإما أن تُعاد الأمور إلى نصابها، وتُحترم وثائق الثورة ومعاييرها، أو نكون أمام مشهد يعاد فيه إنتاج الأزمة بأسماء مدنية هذه المرة. وعندها فقط سنفهم أن المعركة لم تكن يومًا بين مدني وعسكري، بل بين مشروع تحرر حقيقي، ومشروع تسوية لا يرى في الثورة سوى عبء يجب التخلص منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!