
براءة حامد
إن قرار المحكمة الجنائية الدولية بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ«علي كوشيب» لا يقلُّ عن لحظة تاريخية في مسيرة العدالة لضحايا دارفور والسودان كله. هذه الإدانة ليست نهاية الفصل، لكنها رمز مهم بأن العدالة ممكنة، وأن دماء آلاف الضحايا لن تضيع في صحراء النسيان.
كوشيب كان حلقة؛ حلقة من شبكة أوسع من الجرائم المنظمة التي ارتكبتها أذرع النظام الذي حكم السودان لعقود. وصفه بأنه «منفلت» أو «مجرد فاعل فردي» هو محاولة للتهرب من الحقيقة: الفاعلون ليسوا وحدهم، والآليات التي استخدمت، والأسلحة، والتخطيط الميداني، والغطاء السياسي — كل ذلك يشير إلى منظومة منظَّمة وموصولة بمراكز سلطة عليا.
هذه الإدانة، إذًا، لها بعدان أساسيّان: بعد أخلاقي وإنساني — وهو إنصاف الضحايا والاعتراف بمعاناتهم وحقهم في محاكمة من أساء إليهم — وبعد سياسي وقانوني — وهو إعلان أن الإفلات من العقاب لن يكون طريقًا مفتوحًا لمن تراكمت عليه جرائم ضد الإنسانية.
ولا يمكن قراءة هذه اللحظة بمعزل عن مسؤولية النظام الإسلامي الذي جثم على صدر السودان لأكثر من ثلاثة عقود. سياسات الاقصاء والتمييز والتسلط التي اتبعتها أجهزة الدولة والأجهزة الموازية لم تولّد فقط بيئة للعنف، بل أنتجت أدوات تنفيذية مأجورة ومسلحة نفذت بدم بارد جرائم شنيعة باسم «الأمن» و«الاستقرار». جماعة الإخوان وحلفاؤهم السياسيون لهم دور مركزي في إذكاء هذا العنف، ويجب أن تمتد يد العدالة لتطالهم؛ العدالة ليست انتقامًا، بل شرط أساسي لحفظ الكرامة وإرساء سلطة القانون.
كوشيب أداة، أما البشير وهارون وعبد الرحيم وغيرهم فهم رموز تمثّل سياسات وإستراتيجيات ارتكبت بحقّ شعوب كاملة جرائم حرب وإبادة جماعية. محاكمتهم ليست مجرّد طلب انتقامي؛ بل هي خطوة عملية لقطع الطريق أمام تكرار المآسي، ولتمهيد الطريق أمام مصالحة حقيقية يمكن أن تُبنى على قاعدة من العدالة والمساءلة.
دعونا نكن واضحين: حقوق الضحايا لا تُستنفذ بإدانة شخص واحد. الحق في الحقيقة، والاعتذار، والتعويض، وإعادة الكرامة، وإعادة بناء ما تم تدميره — كلُّها مطالب مشروعة. وإدانة كوشيب يجب أن تترجم إلى استراتيجية شاملة: ملفات تُفتح، تحقيقاتٍ مُستقلة، تعاونٌ دولي لإحضار كل المتورطين أمام العدالة، وبرامج شاملة لإعادة تأهيل المجتمعات المتضرّرة.
كما أن المسار القضائي وحده لا يكفي. علينا أن نربط بين العدالة والقانون وبناء دولة مدنية حقيقية، دولة لا مكان فيها للتفرد والانتقام القبلي أو الحزبي، دولة تحترم المواطنة وتضمن حقوق الجميع. السلام الحقيقي لا يولد بلا عدالة، والعدالة لن تؤتي ثمارها بلا مؤسسات قوية ونظام قضائي مستقل.
في الختام، إدانة كوشيب هي انتصارٌ لآلاف الوجوه التي شهِدَتْ العنف والاغتصاب والحرق والتهجير. لكن هذا الانتصار سيتضاءل إن لم يتحول إلى سلسلة من المحاكمات الحقيقية، وإلى سياسات عملية تحقق الحقوق للضحايا، وتضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب. لقد آن الأوان أن تُرفع راية العدالة على كلِّ من تورّط في جرائم دارفور — صغيرًا كان أو كبيرًا — وأن يُثبت السودان الجديد أن دوره في التاريخ لن يكون ساحةً للإفلات، بل ميدانًا للمحاسبة وإعادة الكرامة.




