السودان بين الشرعية والتحالفات: كيف تتحول العلاقات الدولية إلى أداة لتدويل الأزمة
دكتور حافظ إبراهيم عبد النبي

د. حافظ إبراهيم عبدالنبي
لم يعد الحديث عن مستقبل السودان السياسي والاقتصادي ممكنًا دون الوقوف عند إشكالية الشرعية المفقودة لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، التي تمارس مهام الدولة دون تفويض شعبي أو سند دستوري، متصرفة وكأنها الممثل الوحيد للبلاد على المستويين الداخلي والخارجي. هذا النقص في الشرعية لم يكن مجرد تفصيل شكلي، بل عامل أساسي عمّق الأزمة وأضعف موقع السودان أمام تحالفاته الإقليمية والدولية.
فقدان الشرعية وأثره على موقع السودان خارجيًا
التحالفات الدولية تُبنى على المصالح، لكنها تقوم أيضًا على مشروعية الشركاء. عندما تفقد السلطة الحاكمة شرعيتها، تصبح قدرتها على التفاوض وبناء الثقة وجذب الدعم محدودة ومشروطة. هذا هو حال سلطة بورتسودان، التي اختزلت الدولة في كيان عسكري أمر واقع، عاجز عن تقديم نفسه كممثل لإرادة وطنية جامعة.
انعكس هذا الفقدان في تردد المجتمع الدولي في دعم أي مسار سلام جاد، وغياب أفق اقتصادي مستدام، والتعامل مع السودان كملف أمني وإنساني، لا كدولة تمتلك مشروعًا سياسيًا مستقلًا.
تحالفات لدعم السلطة لا الدولة
بدل أن تكون التحالفات أدوات لدعم الدولة السودانية، تحولت إلى دعم سلطة محدودة الأفق، حيث بُنيت العلاقات الخارجية على مقايضات قصيرة المدى: وعود أمنية مقابل صمت سياسي أو دعم رمزي. هذا النمط لا يعزز السيادة، بل يفرغها من مضمونها، ويحوّل السودان إلى ساحة نفوذ خارجية لا شريك متكافئ.
اقتصاد بلا تفويض شعبي
اقتصاديًا، لم يكن الانهيار مجرد نتيجة الحرب، بل نتيجة مباشرة لغياب سلطة شرعية قادرة على إدارة الموارد. سلطة بورتسودان عجزت عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية، وتأمين المياه والكهرباء والدواء، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، أو كبح الانفلات المعيشي. تحولت الدولة إلى كيان غائب والمواطن إلى ضحية، فيما استُخدمت الموارد – من الذهب إلى الموانئ – كأدوات تفاوض خارجي لا لتنمية وطنية.
التحالفات وإطالة أمد الصراع
في المجال الأمني، أسهم فقدان الشرعية في إضعاف أي مسار جاد للسلام. السلطة التي لا تمتلك إجماعًا داخليًا تميل إلى الاعتماد على التحالفات الخارجية لتعويض ضعفها، وغالبًا ما تُستغل هذه التحالفات لتبرير استمرار الحرب، ما يؤدي إلى تدويل الأزمة وإطالة أمد الصراع.
من السيادة إلى التدويل
غياب الشرعية يحوّل السيادة إلى شعار فارغ. الدولة التي تُدار بلا تفويض شعبي تصبح قراراتها محل تفاوض دائم خارج حدودها، لتتحول إلى كيان مستهلك للسياسات الإقليمية والدولية بدل أن يكون فاعلًا فيها.
استعادة الشرعية طريق الحل
المشكلة ليست في التحالفات بحد ذاتها، بل في السلطة التي تديرها بلا شرعية أو مشروع وطني. إن أي دعم خارجي لن يعوّض غياب التفويض الشعبي، ولا أي تحالف قادر على إنقاذ دولة تُدار بعقلية أمر واقع. إنقاذ السودان يبدأ باستعادة الشرعية، وبناء سلطة مدنية ذات سند شعبي، قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية باعتبارها علاقات دولة، لا مجرد أدوات لبقاء السلطة.
واشنطن، 14 ديسمبر 2025



