رأي

محاولة لتغيير الجلد… أم استسلام باسم “السلام”؟

 عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

 

 عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا

في زمنٍ تتبدل فيه الأقنعة بسرعة البرق، يطل علينا بعض رموز الحركة الإسلامية وجماعات الهوس الديني بثوبٍ جديد، بعد أن ارتدوا لسنوات جلود التحريض والتكفير والدعاية السوداء. المشهد اليوم يثير الريبة: كيف يتحول من أشعلوا الحرب إلى دعاة سلام؟

من ضياء الدين بلال إلى مزمل أبو القاسم، ومن سار على نهجهم من إعلاميي الفلول، جميعهم ظلوا خلال السنوات الماضية يبررون القتل، ويفتعلون الأكاذيب لتزييف وعي الناس، ويسوقون خطاب الكراهية تحت لافتة الوطنية والدين. هؤلاء أنفسهم يظهرون الآن في المنابر يتحدثون عن التسامح والسلام والوحدة الوطنية! وكأن ذاكرتنا الجمعية قد مُسحت، وكأن الشعب نسي وجوه التحريض التي ملأت شاشات التلفزة وصفحات الصحف بشيطنة الآخرين.

الندوة التي نظمتها الإعلامية نسرين سوركتي في لندن تحت عنوان “السلام”، بمشاركة هؤلاء الوجوه، ليست بريئة كما يحاول منظموها الإيحاء. تقف وراءها منظمة تُدعى الأبرار، وهي الجهة التي ورد ذكرها في تقارير بريطانية حديثة كإحدى المؤسسات المتهمة بتمويل ودعم جماعات إرهابية موالية للنظام الإيراني، مثل حزب الله وحماس، تحت غطاء النشاط الخيري والثقافي.

ففي تحقيق استقصائي نشرته صحيفة The Mail on Sunday بتاريخ 7 أغسطس 2024، أعدّه الصحفي ديفيد روز، تبيّن أن مؤسسة الأبرار الإسلامية ودار الحكمة في لندن تعملان كمراكز دعم وشبكات تأثير إيرانية، يقودها شخصيات وردت أسماؤها في قوائم الإرهاب الأمريكية، مثل سعيد الشهابي وسيد أحمد الوداعي. ووفق التحقيق، فإن هذه المؤسسات شاركت في تمجيد قاسم سليماني، أحد أبرز مهندسي الإرهاب الإيراني، وأقامت فعاليات تحت غطاء “التقارب بين الأديان” لترويج أجندة النظام الإيراني في أوروبا.

انطلاقًا من هذه المعطيات، يصبح مفهومًا أن ما جرى في لندن ليس مؤتمرًا من أجل “السلام”، بل جزء من عملية تضليل ممنهجة هدفها إعادة تدوير الإسلامويين وتقديمهم للعالم بثوبٍ جديد بعد أن لفظهم الداخل السوداني والمجتمع الدولي معًا.

إن الحديث عن السلام هنا ليس سوى تبديل للغة الاستسلام، بعد أن أصبحت هذه الجماعات تحت ضغطٍ دولي متزايد يرفض وجودها ويحمّلها مسؤولية ما ارتُكب من فظائع خلال العقود الماضية.

جماعات الهوس الديني التي صادرت العقول والضمائر لا يمكن أن تكون رعاة للسلام، لأنها لم تعرف يومًا سوى منطق القوة والدم والوصاية. ما يحدث اليوم هو محاولة أخيرة للتجمّل قبل الغروب، لكنها لن تنطلي على شعبٍ خبر أساليبهم وخطابهم، وذاق ويلات حكمهم.

فالسلام الحقيقي لا تصنعه المنظمات المريبة ولا أبواق الكراهية، بل تصنعه إرادة الشعوب الحرة التي تؤمن بالعدالة والمواطنة والمساواة. أما الإسلامويون، فهم فقط يحاولون تغيير الجلد بعدما انكشفت عوراتهم أمام العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!