
عباس احمد السخي
رغم تعدّد أسباب تأخر السودان في مضمار التقدم السياسي والاجتماعي، إلا أن أحد العوامل الثقافية العميقة التي تسكن لاوعي الإنسان السوداني وتؤثر في سلوكياته العامة والخاصة هي عقيدة الجبر؛ أي الاعتقاد بأن كل ما يحدث هو قضاء محتوم لا يملك الإنسان حياله فعلًا أو خيارًا. ورغم أن هذه النزعة الجبرية تحمل طابعًا دينيًا في ظاهرها، إلا أن آثارها الفعلية كانت ذات طابع سياسي واجتماعي خطير، أعاقت تطور الوعي الجمعي، وأسهمت في بقاء الأنظمة القمعية، بل وإعادة إنتاجها مرارًا وتكرارًا.
الجبرية كقيد على الإرادة الشعبية
في السودان، تمترست الجبرية في أعماق الوعي الشعبي نتيجة لتلاقح مركب بين التصوف الشعبي، والخطاب الديني المحافظ، والظروف التاريخية القاسية التي جعلت الإنسان يعيش على هامش الفعل، خائفًا من بطش السلطان، أو قانطًا من التغيير. وقد تم توظيف هذه الجبرية عبر الخطاب الديني الرسمي وغير الرسمي، لتبرير الظلم والفقر والحرب والجهل، على أنها “ابتلاءات قدرية”، لا مدخل للناس فيها سوى الصبر والتسليم.
ولم يكن غريبًا أن يُردّد كثير من الناس عند كل كارثة سياسية أو كارثة إنسانية كبرى عبارة: “دي إرادة الله”، أو “ما عندنا حيلة”، أو “المكتوب ما بنغيرو”، وكأنما الشعب عاجز بطبعه، لا يصنع واقعه، بل يتلقى مصيره بتسليم كامل، حتى حين يكون الفاعل معروفًا، والظلم مفضوحًا، والمخارج ممكنة.
الجبرية والقبول بالاستبداد
استفادت النخب الحاكمة – منذ الاستعمار وحتى الحكومات العسكرية والدينية – من ترسيخ هذه الجبرية بوصفها أداة لضبط الجماهير وشلّ إرادتهم. فقد جُعل الحاكم ظل الله في الأرض، وجُعلت السلطة قدرًا لا يناقش، وجُعل العصيان السياسي خروجًا على إرادة الله، وليس على ظلم الإنسان. وهكذا تم تجريم الوعي، وتخوين الثوار، وتكفير المطالبين بالحرية والعدالة.
والمفارقة أن كثيرًا من النخب الدينية والفكرية التي تُبشر بالعدل الإلهي، تمارس صمتًا مريبًا حين يتعلق الأمر بظلم الدولة أو تواطؤ المؤسسة الدينية مع السلطة. وقد جعل هذا من الجبرية عباءة يتدثر بها الظالمون، ومسكّنًا يخدر به المظلومون، فانقلبت منظومة القيم، وصار المقهور هو المتهم، والمستبد هو المقدّر له أن يحكم، شاء الناس أم أبوا.
الجبرية وعجز التحول الديمقراطي
في فترات التحول الديمقراطي القصيرة التي شهدها السودان، كانت الجبرية تشكل عقبة غير منظورة في وجه التحول الكامل. فحتى بعد الثورات الشعبية العظيمة، كان الناس يعودون بسرعة إلى “الانتظار”، لا إلى الفعل؛ ينتظرون “منقذًا” جديدًا أو “قدرًا” مغايرًا، بدلًا من بناء مؤسسات مستدامة أو الاضطلاع الجماعي بالمسؤولية الوطنية.
وقد فسّرت هذه النزعة الجبرية الانقسامات المتكررة داخل قوى الثورة، والانكفاء على الذات، وتفضيل الحلول القدرية (المصالحة المفروضة، أو التسويات الهشة) بدلًا من الخوض في عملية تغيير شاملة تضع الناس في موقع الفاعل لا المفعول به.
نحو وعي صيروري بديل
إن تجاوز هذه الجبرية يتطلب ثورة وعي تؤمن بأن الإنسان السوداني ليس محكوماً بالماضي، بل قادر على صياغة مستقبله. فالتاريخ ليس قدرًا مكتوبًا، بل صيرورة تصنعها الإرادة الجماعية والعقل الحر. وهذا لا يعني نفي الإيمان بالقضاء والقدر، وإنما التمييز بين القدر الغيبي الذي لا نملكه، والواقع السياسي الذي نحن جزء من صناعته، صمتًا أو فعلًا.
لقد آن الأوان أن نحرر العقل السوداني من سجن الجبرية، وأن نستعيد قيم الاختيار والمسؤولية والمساءلة، فالسودان لن يتقدم ما دام ينتظر مصيرًا يهبط من السماء، بدلًا من بناء وطن ينبعث من إرادة التي الحرة.




