رأي

حركات الارتزاق.. من شعارات العدالة إلى حراسة الجلادين

علي سانتينو

علي سانتينو

منذ أن أعلنت المحكمة الجنائية الدولية إدانة المجرم علي كوشيب بسبعٍ وعشرين تهمة، طالبت بتسليم بقية الجناة على رأسهم عمر البشير، لحظتها توقعنا أن تتعالى أصوات العدالة من أفواه من ملأوا الدنيا ضجيجاً باسم الضحايا. لكن ما حدث هو صمت مخزٍ من المنافقين الذين كانوا بالأمس أكثر الناس حديثاً عن العدالة والمحاسبة من الحركات المسلحة. قادة الحركات المتحالفة اليوم مع عصابة بورتسودان، أمثال جبريل إبراهيم ومني أركوي بلعوا ألسنتهم الطويلة وكأن شيئاً لم يكن. لم يكتبوا بياناً واحداً، ولم يتحدثوا عن بقية المجرمين، ولم يجرؤوا حتى على تذكير الناس بملف الإبادة الذي كانوا يتاجرون به لسنوات!

إن صمت الحركات المتحالفة مع بورتسودان ليس عفوياً، بل حسابٌ بارد من عقول ارتزاق سياسي فقدت كل المشاعر الصدق والانسانية. هؤلاء بنوا مجدهم الوهمي على جراح دارفور، ورفعوا شعار العدالة حين كانت وسيلة ضغط شرسه، ثم عادوا اليوم ليُدلّكوا أكتاف الجلادين في قصور السلطة. كانوا يتحدثون بالامس عن تسليم البشير وكوشيب وبقية المطلوبين، واليوم عرف الناس الحقيقة، فقد اختبأوا تماماً خلف الكراسي والاموال، وكأن دماء الأبرياء في دارفور تُسفك لأجلهم، لا لأجل الضحايا.

قبل حرب الخامس عشر من أبريل، لم يمر يوماً دون أن يخرج مناوي ليتحدث عن الإبادة الجماعية بشكل هستيري دراماتيكي، ويصرخ بضرورة مثول المجرمين أمام العدالة الدولية. أما اليوم، وقد صار أحد شركاء المطلوبين للمحاكمة، فتحوّل صوته إلى همس بارد لا يُسمع. إن ما يفعله هؤلاء القادة ليس سوى خيانة لدماء الضحايا، وتواطؤ مع الجريمة من موقع السلطة بعد أن كانوا يلعنونها من موقع المعارضة.

لقد تحوّلت الحركات المسلحة من مشروع نضال إلى مشروع سمسرة سياسية. لم تعد دارفور قضيتهم، بل جسرهم إلى القصر وخزانة المالية. اختزلوا العدالة في مناصب وزارية، وحوّلوا مأساة الضحايا إلى تذكرة عبور نحو امتيازات السلطة. فأيّ سقوط أبشع من هذا؟ وأيّ انحدارٍ أخلاقي أعمق من أن يتحول المظلوم إلى حارس لقاتله وجلادة!

إن ما يجري اليوم يفضح حقيقة واحدة، أن عقلية الارتزاق لا يمكن أن تتحرر من الانقياد والتبعية. من الواضح ان هؤلاء لم يحملوا السلاح لأجل العدالة، بل لأجل نصيبهم في الكراسي. وحين حصلوا على ما أرادوا من امتيازات، تصالحوا مع الجناة، ورموا الضحايا خلف ظهورهم، ثم تحدثوا عن الاستقرار والوطنية، كأنها مبررات للعفو عن المجرمين. لكن العدالة لن تُشترى، والذاكرة لا تُباع. واهل دارفور لن ينسوا من خانهم، ولن يغفروا لمن ساوم بارواحهم على الموائد. فالقضية أكبر من مناصب وأعمق من بيانات باهتة ورديئة!

إن الحل لا يكمن في طلاء الوجوه القديمة بمساحيق التجميل، ولا في إعادة تدوير شعارات العدالة الزائفة، لكن في بناء مسار وطني حقيقي يعيد تعريف النضال على أساس القيم الاخلاقية لا على اسس الغنائم. وعلى الحركات التي ما زال في عروقها شيء من الشرف أن تراجع دفاترها القديمه، وأن تضع قضايا الضحايا فوق مصالح الزعامات وتحصيل الدولار. فالعدالة لا تحتاج وسطاء مأجورين ومرتزقة، كما تحتاج إرادة وطنية نظيفة تفصل بين من حمل السلاح من أجل الشعب، ومن حمله للتسلق إلى الكرسي. دارفور لا تطلب المستحيل، لكن تطلب أن يُحاسَب القتلة، وألا يتحول رفاق الأمس إلى حرّاس للجريمة. وهذه أبسط معاني الوفاء، إن تبقّى في هذا الوطن من يؤمن بها. ولكم في الجنوب اسوةً!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!