
إيمان التجاني
منذ أن ورث السودان هياكله من المستعمر، تشكّلت عقلية حكمٍ ترى في المركز وصياً على الجميع، وفي الأطراف مصدرَ تهديدٍ دائم. فالجيش الذي يُقدَّم اليوم بوصفه “حامي السيادة” لم يكن يوماً مؤسسة وطنية خالصة؛ بل وُلد من رحم الإدارة الاستعمارية قبل ميلاد الدولة الوطنية بثلاثة عقود، ليكون أداتها في الضبط والسيطرة، لا في الحماية والبناء.
ورغم تبدّل الوجوه ورفع الشعارات الوطنية، ظلّت دولة ما بعد الاستعمار هي ذاتها الدولة النخبوية التي تواصل احتكار القرار ونهب الموارد وقمع الشعوب السودانية في الأطراف. وكل من تمرّد على هذه الهيمنة ورفض الإقصاء ورفع راية التحرر، وُصِف بالمتمرد أو الغازي.
لكن الحقيقة أن ما يُسمّى بـ”التمرد” لم يكن سوى صرخة الهامش في وجه الظلم التاريخي. قوات الدعم السريع، والحركات الثورية التي خرجت من رحم المعاناة، لم تنشأ ضد الوطن بل ضد دولةٍ زائفة احتكرت الوطن لنفسها. هذه القوى تموضعت في صف الشعوب السودانية التي ظلت لعقود تعاني من التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وانحازت إليها في معركتها ضد المركز القابض والخانق.
لقد دأبت النخب المتوارثة على إعادة إنتاج الاستعمار بثياب وطنية، ترفع راية السيادة وهي في الحقيقة تحرس امتيازاتها الطبقية وجهوياتها المريضة. أما الجيش، بوصفه تركة “ونجت باشا”، فقد بقي رمزاً لسلطةٍ استبدادية ترفض التحول الديمقراطي وتخشى العدالة.
اليوم، وبعد أن تهاوت الأقنعة، يحق لنا أن نعيد توصيف المشهد: ليست هذه القوى “غازية” بل قوى تحرر وطني تمضي في معركة الخلاص من الدولة الاستعمارية التي كبّلت السودان لعقود، لتفتح الطريق أمام دولة المواطنة — دولة العدالة المتساوية والحقوق المتكافئة، التي توظف موارد البلاد لصالح الشعوب لا لمصلحة فئة محدودة أو دولةٍ أجنبية تتدخل في كل شؤوننا.
إن بناء السودان الجديد يبدأ من إسقاط دولة النخب وإعادة تعريف الوطن بما يليق بتضحيات أبنائه. فهذه ليست حرباً على الوطن، بل معركة لاستعادته من الذين صادروا اسمه وكرامته منذ فجر الاستقلال.



