رأي

الجيش السوداني/ مصري!

نجم الدين دريسة

الحقيقة التي لا تخطئها عين هي أن الدولة المصرية، ممثَّلةً في جهاز مخابراتها، لا تزال متمسكة بما يُعرف بـ”الجيش السوداني” — تلك الصنيعة الاستعمارية التي تأسست قبل ميلاد الدولة السودانية المعطوبة بـواحد وثلاثين عامًا.
ما يجعلنا نتساءل: ما السر وراء هذا التمسك، رغم أن هذا الجيش ظل، عبر تاريخه، عرضةً للاختراق والاختطاف، ومطية استخدمها الحزب الشيوعي في مايو 1969م للوصول إلى السلطة، قبل أن ينقلب عليهم الجنرال جعفر نميري؟
وعلاوة على ذلك، فإن الجبهة الإسلامية ظلت، منذ نهاية السبعينيات، تعمل على اختراق الجيش، واستطاعت عبر عناصرها في الداخل أن تُجهض الديمقراطية الثالثة بانقلابها المشؤوم في 1989م.

الواقع يشير إلى أن هذا الجيش، الذي ظلّ على مدى سبعين عامًا يمارس الخنوع والارتهان والاذعان لمصر، هو جيش مخترق من قبل المخابرات المصرية، التي قامت بعمليات إخصاء وتدجين وتحنيط لكل قادة الجيش تحت غطاء “الدورات التدريبية”، وباستخدام وسائل عديدة: من الإغواء، والإغراء، والرشاوى، حتى استطاعت أن تملك زمام الأمر، وتحرك قيادة الجيش متى وكيفما شاءت.

وهذا الاختراق، للأسف، لم يقتصر على قيادة جيش ونجت باشا، بل شمل قوى سياسية، ومثقفين، وأكاديميين، وإعلاميين، وحتى بعض قادة الحركات المسلحة التي تماهت مع الجيش في حرب 15 أبريل 2023م.

الجيش هو مخلب قطّ للتدخل المصري السافر في الشأن السوداني، والإمساك بكل ملفات الحكم، إذ ظل يدافع عن مصالح مصر على حساب الدولة السودانية وشعوبها المغلوبة على أمرها.
لقد مارس هذا الجيش الانقلابات العسكرية، وقمع الثورات والهبات والانتفاضات الشعبية، وبطش بشعوب الهامش، وفتح السودان على مصراعيه أمام الهيمنة المصرية، لتظل مصر تستغل موارده ومقدراته، ويدعمها في اتفاقيات المياه المجحفة، ويغض الطرف عن احتلالها واغتصابها لأراضٍ سودانية، لأن جيش السودان مخترق في أعلى قيادته.

كل الانتهاكات التي أعقبت ثورة ديسمبر خُطط لها داخل غرف المخابرات المصرية؛ فما غادر البرهان إلى القاهرة وعاد منها إلا وارتكب جريمة جديدة في حق السودان: بدءًا من فض اعتصام القيادة العامة، الذي تم بتعليمات مصرية على غرار ما حدث في رابعة العدوية، وصولًا إلى حرب الخامس عشر من أبريل 2023م.

لقد تمدد النظام المصري حتى وصل إلى إحداث انقسامات بين الإسلاميين أنفسهم، عبر مذكرة العشرة ضد عرّابهم الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي، وتمكّنت الاستخبارات المصرية من استقطاب المجموعة البراغماتية ذات الطابع العنصري بقيادة علي عثمان محمد طه، مستغلةً ظروف محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!