رأي

مهزلة الموافقات الامنية للطلاب السودانيين؛ دعوة إلى قراءة علاقاتنا مع مصر؛

عباس احمد السخي

في زمنٍ تتبدّل فيه القيم وتغيب فيه الدولة، يصبح الفساد وجهًا آخر للسياسة، ويغدو استغلال الإنسان مشروعًا استثماريًا يحمل أسماءً براقة مثل “الموافقات الأمنية” أو “الإجراءات التنظيمية”. وما يجري اليوم للسودانيين في بوابات مصر، من طلابٍ يسعون إلى مقاعدهم الدراسية أو أسرٍ تبحث عن الأمان، لا يمكن وصفه إلا بأنه إذلال ممنهج واستثمار وقح في مأساة شعبٍ مكلوم. انه سلوك مصر الباشوية المعتاد، الذي يمارس عقلية المستعمر في حديقته الخلفية، السودان.
هنا تُبرّر الأجهزة المصرية ما تفرضه من عراقيل على دخول السودانيين بذريعة الأمن، وكأن طلابًا في الثامنة عشرة من أعمارهم يمكن أن يهددوا سيادة دولة تضم مئة مليون نسمة. والحقيقة التي يعرفها كل من يتابع المشهد أن ما يُسمّى بـ“الموافقات الأمنية” ليس سوى غطاء رسمي لتحصيل الأموال بطريقة غير قانونية، وإدارة سوق سوداء للمعاناة الإنسانية، تُقدّر أثمانها بالدولار وتُمارس برعاية مؤسسات الدولة المصرية نفسها.
من المنظور الأمني المحترف، لا يمكن لأي دولة جادة أن تعتبر طالبًا أو عائلةً منكوبة خطرًا على أمنها القومي. الأمن ليس لعبة انتقائية تمارسها الدول لتبرير الطمع والابتزاز، بل منظومة قيم ومبادئ تحكمها القوانين الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان. وما يحدث الآن هو نقيض لمفهوم الأمن في معناه الحقيقي؛ إذ يُحوّل المبدأ النبيل إلى وسيلة للإهانة والتربح، ويجعل من البيروقراطية جدارًا يفصل بين الإنسان وحقه الطبيعي في الحركة والتعليم والحياة.

إنّ مصر، التي لطالما تحدثت عن روابط الأخوة والجوار والمصير المشترك، تمارس اليوم أبشع صور التمييز ضد أبناء السودان. هذه السياسات انما تعبّر عن منظومة رسمية تتعامل بعقلية الوصاية والاستعلاء، مستفيدة من ضعف الدولة السودانية وتمزقها بفعل الحرب. لقد تحوّل السودان في نظر القاهرة إلى مزرعة مفتوحة للعمالة الرخيصة والفرص الاقتصادية، وإلى سوقٍ للطلاب الذين يُعاملون كزبائن، لا كبشرٍ يسعون للعلم والمعرفة.
إنّ ما يجري هو اختبار خطير للكرامة الوطنية السودانية. إذ لا يمكن لأي أمة تحترم نفسها أن تقبل بإذلال مواطنيها عند أبواب دولة أخرى، ولا أن تصمت أمام تحويل تعليم أبنائها إلى سلعة في مزادات الأمن. فالأمن الحقيقي لا يُبنى على امتهان الجيران، بل على احترام الجيرة، والتعاون الصادق، والمصالح المتبادلة.
ولعل الوقت قد حان لأن يُعيد السودان النظر جذريًا في شكل علاقاته مع مصر. فالعلاقة التي لا تُبنى على الاحترام المتبادل، هي عبءٌ سياسي واقتصادي يجب التحرر منه. يجب أن نعيد تقييم كل ما وُقّع في سنوات الغفلة من اتفاقيات التعاون والحريات الأربع، ومراجعة الترتيبات المائية التي جعلت من السودان طرفًا تابعًا لا شريكًا. إنّ استمرار ضخّ خيرات البلاد شمالًا بينما يُهان أبناؤها على الحدود هو تناقض فاضح يستدعي موقفًا وطنيًا حازمًا.
ينبغي كذلك أن يفتح السودان أبوابه أمام بدائل جديدة في مجالات التعليم والسكن والاستثمار. لقد آن الأوان لبناء شراكات تعليمية واقتصادية مع الدول التي تحترم السودان وشعبه – في إفريقيا وآسيا والعالم العربي – دولٍ كالمغرب وتونس والجزائر ورواندا وأوغندا وكينيا والهند والصين وماليزيا والفلبين، بل وحتى جورجيا وكازاخستان وأذربيجان وروسيا. العالم واسع، والمستقبل لا يُكتب من بوابةٍ واحدة.
إنّ ما يجري اليوم باسم “الموافقات الأمنية” ليس إلا نموذجًا مصغرًا لأزمة أكبر: أزمة وعي وسيادة. فحين تفقد الدول بوصلتها الأخلاقية، تتحول مؤسساتها إلى وسطاء للابتزاز، وتفقد الشعوب ثقتها في معنى الأخوّة والجوار. وعلى السودان أن يقول كلمته بوضوح: كرامتنا ليست للبيع، ولا أمننا يُقاس بمقاييس غيرنا.
إنّ شرف الامة لا تُضاهيه شرف، وان السودان اليوم، رغم جراحه، يملك من التاريخ والمبدأ ما يكفي ليقول: كفى إذلالًا، كفى استغلالًا، كفى استثمارًا في دموعنا.
فمن أراد علاقة معنا، فليبدأ باحترام إنساننا أولًا،
فهو الأصل، وهو الثروة، وهو الأمن الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!