رأي
الموافقات الأمنية المصرية للطلاب السودانيين من المنظور الأمني: مشروع للاستثمار والكسب الحرام قراءة تحليلية من منظور أمني وقانوني وإنساني
د. مجدي شريف - خبير امني واستراتيجي

منذ اندلاع الحرب في السودان وما ترتب عليها من انهيار المؤسسات التعليمية، وجد آلاف الطلاب والطالبات السودانيين أنفسهم مضطرين للبحث عن فرص تعليمية خارج البلاد، خاصة في مصر بحكم الجوار الجغرافي والعلاقات التاريخية. لكن ما واجهه هؤلاء الشباب لم يكن مجرد عقبات إدارية أو لوجستية، بل سلسلة من الإجراءات الأمنية المعقدة التي تحوّلت من أداة تنظيمية إلى مشروع استثماري منظم للكسب غير المشروع، تحت لافتة ما يسمى “الموافقات الأمنية”.
إن التذرع بالحجة الأمنية لتبرير تعطيل دخول الطلاب السودانيين إلى الجامعات المصرية أو غيرها من المؤسسات التعليمية لا يصمد أمام أي تحليل أمني مهني، ولا ينسجم مع أبسط قواعد الأمن القومي المعاصر، فضلًا عن تعارضه التام مع المواثيق الدولية وحقوق الإنسان. فالموافقة الأمنية في أصلها ليست سوى إجراء فني محدود الهدف، يهدف إلى التأكد من سلامة الداخلين من أي نشاط إجرامي أو عدائي، لكنها في الحالة السودانية تحولت إلى وسيلة للابتزاز المالي والإداري في غياب الدولة السودانية وانشغالها بحرب عبثية دمرت المجتمع ومؤسساته.
أولًا: المفهوم الأمني للموافقة وأهدافها الأصلية
في المفهوم العلمي للأمن الوطني، تُستخدم الموافقات الأمنية للتحقق من هوية الأفراد وتاريخهم الأمني والتأكد من خلوهم من أي ارتباط بجماعات متطرفة أو شبكات تهريب أو أعمال إجرامية. وهي إجراءات مؤقتة تُطبق غالبًا على فئات محددة:
•الأشخاص القادمين من مناطق نزاع يُحتمل أن يحملوا سلاحًا أو فكرًا متطرفًا.
•الداخلين لأغراض غير واضحة كالتجنيد أو النشاط السياسي.
•من لديهم سوابق جنائية أو أمنية أو يُشتبه في انتمائهم لتنظيمات مصنفة إرهابية.
غير أن طلاب السودان القادمين للدراسة في الجامعات المصرية لا تنطبق عليهم أي من هذه الحالات. فجميعهم فئة عمرية شابة لا تتجاوز الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من العمر، يحملون وثائق رسمية، ومحدد هدفهم بوضوح وهو الالتحاق بمؤسسة تعليمية نظامية. وبذلك تنتفي كل المبررات الأمنية التي تقتضي تعطيلهم أو إخضاعهم لموافقات مطوّلة.
ثانيًا: التناقض الأمني في تطبيق الموافقات على الطلبة
من وجهة نظر أمنية احترافية، فإن إخضاع طلبة المدارس والجامعات لموافقات أمنية مطولة يمثل خللًا في تقدير المخاطر. فالأجهزة الأمنية لا تُقاس كفاءتها بمدى تضييقها، بل بقدرتها على التمييز بين من يُشكل خطرًا حقيقيًا ومن لا يُشكل أي تهديد.
إن طلابًا في عمر الثامنة عشرة، لم يحملوا سلاحًا، ولم ينتموا لتنظيم، ولم يُعرف عنهم أي نشاط سياسي، لا يمكن أن يُدرجوا ضمن فئات الخطر الأمني، لا بالمعايير المحلية ولا الإقليمية ولا الدولية. بل إن القوانين الدولية الخاصة بحقوق الطفل (اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989) تنص صراحة على أن الأطفال والمراهقين في مرحلة التعليم يجب أن يُعاملوا كضحايا للنزاع لا كمتهمين أمنيين.
وبالتالي، فإن ممارسات التعطيل التي تُفرض على هؤلاء الطلاب لا تمت للأمن بصلة، بل تمثل تسييسًا واستثمارًا في المعاناة الإنسانية، يُستخدم فيه اسم “الأمن” كغطاء لأغراض مالية وشخصية.
ثالثًا: البعد المالي – الأمن كواجهة للاستثمار الحرام
في الأسابيع الأخيرة، تكشفت شهادات عديدة لذوي الطلاب السودانيين، تفيد بتواصل بعض الجهات أو الوسطاء لطلب مبالغ مالية تصل إلى ثلاثة آلاف دولار أمريكي مقابل الحصول على الموافقة الأمنية العاجلة.
هذا السلوك، إذا ما نُظر إليه بمعايير الأمن المهني، لا يدخل ضمن صلاحيات الأجهزة الأمنية الحقيقية، بل يُعتبر استغلالًا لهيبة المؤسسة الأمنية لأغراض شخصية.
وفي المنظور القانوني، يعد هذا الفعل ابتزازًا منظمًا يدخل في نطاق جرائم الاتجار بالبشر والفساد المالي والإداري، لأنه يستغل حاجة الأسر وحقها المشروع في تعليم أبنائها.
تتحول بذلك “الموافقة الأمنية” من وسيلة حماية إلى أداة جباية، ومن إجراء وقائي إلى مورد ربحي، في مخالفة صريحة لكل الأعراف الأمنية والأخلاقية.
فالأمن الحقيقي يُقاس بقدرة الدولة على تأمين الإنسان، لا على إرهاقه أو مصادرة حقه في المستقبل.
رابعًا: الأمن الإنساني في مواجهة الأمن الزائف
في المفهوم الحديث للأمن القومي، الذي تبنّته الأمم المتحدة منذ مطلع الألفية الجديدة، أصبح مصطلح “الأمن الإنساني” جزءًا من جوهر الفكر الأمني الدولي.
هذا المفهوم يؤكد أن حماية الإنسان من الفقر والجهل والمرض والبطالة هي الأساس الحقيقي للأمن، لأن الدولة لا تكون آمنة إذا كان شعبها مهددًا في حقوقه الأساسية.
من هذا المنظور، فإن تعطيل طلاب في مقتبل العمر عن مواصلة دراستهم بدعوى “التحري الأمني” يمثل انتهاكًا مباشرًا لمفهوم الأمن الإنساني، لأنه يضرب في جوهر الاستقرار المجتمعي ويخلق حالة من الإحباط واليأس بين الشباب، وهي بدورها بيئة خصبة لتوليد التطرف الحقيقي الذي تخشاه الأجهزة الأمنية.
بكلمةٍ أدق: الذي يمنع الطالب من التعلم بدعوى الأمن، يزرع بذور اللا أمن الحقيقي.
خامسًا: الإطار الإقليمي والدولي
بحسب الاتفاقيات الدولية بين الدول العربية، خاصة اتفاقية الحريات الأربع بين السودان ومصر، فإن المواطنين من كلا البلدين يتمتعون بحرية الإقامة والتنقل والعمل والتعليم دون قيود تعسفية.
كما أن الاتفاقيات الأمنية الثنائية لا تنص على أي إجراء يُسمى “الموافقة الأمنية المسبقة” للطلاب. لذلك فإن هذه الممارسة لا تستند إلى أساس قانوني أو أمني مشروع، بل هي تجاوز إداري يُستخدم لفرض رسوم غير قانونية.
أما على الصعيد الدولي، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 13) يكفل حق التعليم، ويُلزم الدول الموقعة – ومن بينها مصر – بتيسير وصول الطلاب الأجانب إلى المؤسسات التعليمية دون تمييز. وبناءً على ذلك، فإن ما يجري يُعد مخالفة صريحة للالتزامات الدولية، ويعرّض سمعة الدولة المعنية للمساءلة الحقوقية والدبلوماسية.
سادسًا: الخلاصة – الموافقات الأمنية مشروع للكسب الحرام
من منظور أمني صرف، لا يشكّل الطلاب السودانيون أي تهديدٍ محتمل للأمن القومي المصري أو لأي دولة أخرى، لأنهم في عمرٍ لا يسمح لهم بالانخراط في أي نشاط عدائي، ولأن أهدافهم التعليمية واضحة، ولأنهم بمجرد دخولهم يخضعون لرقابةٍ كاملة داخل الجامعات ومساكن الطلبة الخاضعة للقوانين المحلية.
بناءً عليه، فإن استمرار العمل بنظام الموافقات الأمنية المطوّلة وابتزاز الأسر ماليًا تحت هذه الذريعة لا يُعد إجراءً أمنيًا مشروعًا، بل هو انحراف وظيفي ومصدر للكسب الحرام، يُسيء لمفهوم الأمن ويقوّض الثقة بين الشعوب والمؤسسات.
إن الأمن الذي يتحول إلى تجارة، يفقد مبرره الأخلاقي والوطني، وإن الأمن الذي يحرم شابًا من التعليم، إنما يصنع تهديدًا أكبر من الذي يخشاه.
وما لم يُعاد النظر في هذه السياسات، فستظل “الموافقة الأمنية” عنوانًا جديدًا من عناوين الإهانة والاستغلال في وجه أمةٍ مزّقتها الحروب، ولم يبقَ لها من الأمل إلا أن يتعلم أبناؤها.




