رأي

كيف يرى العالم السودان: بين المصالح الكبرى وتغييب أصحاب الأرض

د.تيسير الفكي مصطفي

كيف يرى العالم السودان: بين المصالح الكبرى وتغييب أصحاب الأرض

د. تيسير الفكي مصطفى

يعيش السودان اليوم في قلب خريطة مصالح متشابكة، تتقاطع فيها حسابات الجغرافيا والسياسة والطاقة والأمن الغذائي، إلى جانب التحولات المناخية والتكنولوجية. فالعالم لا يرى السودان كدولة تبحث عن الاستقرار، بقدر ما يراه موقعاً استراتيجياً ومصدراً للموارد، بينما يبقى السودانيون أنفسهم خارج طاولات التفاوض التي تُرسم فيها ملامح مستقبلهم.

المستوى الأول: مصالح القوى الكبرى

على رأس القوى المؤثرة تأتي الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون. أول ما يشغلهم هو أمن البحر الأحمر، باعتباره شرياناً استراتيجياً للتجارة العالمية وممراً للطاقة يربط آسيا بأوروبا.

إلى جانب ذلك، يبرز أمن إسرائيل كعنصر محوري في معادلات السياسة الأميركية بالمنطقة، ما يجعل أي تطور سياسي أو عسكري في السودان مراقباً بدقة، لضمان ألا تتحول أراضيه إلى مصدر تهديد أو قاعدة لقوى معادية او أرهاب في المنطقه .

ويُضاف إلى هذه الاعتبارات بعد جديد يتصل بمستقبل الاقتصاد العالمي: التحول الرقمي. فالعالم اليوم يتجه نحو بناء مراكز بيانات (Data Centers) تحتاج إلى موارد ضخمة من الطاقة والمياه والمعادن النادرة مثل الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة — وهي موارد يمتلك السودان وفرة منها. هذا ما يجعل البلاد في قلب التنافس على الموارد الحيوية لتغذية الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.

المستوى الثاني: مصالح الإقليم والجوار

أما الدول الإقليمية المجاورة، فترى السودان من زاوية الأمن الغذائي والمورد الاستراتيجي.

فالأراضي الزراعية الخصبة والمياه الوفيرة تجعل منه سلة غذاء طبيعية للعالم العربي وإفريقيا، خصوصاً مع تصاعد تأثيرات التغير المناخي (Climate Change).

غير أن التنافس الإقليمي على النفوذ يحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة للمصالح، حيث يسعى كل طرف لضمان موطئ قدم في موارده وثرواته، إما لاستثمارها أو لبيعها في أسواق التحالفات الكبرى.

المستوى الثالث: المساعدات والتمويل الإنساني

يأتي في المرتبة الأخيرة ملف المساعدات الإنسانية، الذي يبدو في ظاهره عملاً إنسانياً، لكنه في جوهره اقتصاد تمويلي.

فالكثير من المنظمات الدولية ترى في استمرار الأزمات وسيلة لضمان تدفق التمويل والحفاظ على وجودها الإداري. وهكذا تتحول المأساة السودانية إلى مشروع بيروقراطي، تُدار أرقامه أكثر مما تُعالج جذوره.

السودانيون: الغائبون الحاضرون في الميدان

وسط كل هذه الدوائر من المصالح، يبقى السودانيون هم الذين يكتوون بالنار.

نحن نريد وطناً متحضراً ولدينا كل المقومات لذلك — أرض خصبة، موقع استراتيجي، ثروات طبيعية، وعقول مفكرة.

نريد علاقة متوازنة مع العالم تقوم على الشراكة لا التبعية، وعلى المنفعة المتبادلة لا الاستغلال.

لكن السؤال الجوهري يبقى:

لماذا نُغيب نحن المواطنين السودانيين عن طاولات التفاوض؟

لماذا يُبعد أصحاب الكفاءة والعلم والوطنية عن مواقع التأثير؟

إذا لم يكن السودانيون الحقيقيون — الذين يملكون المعرفة والرؤية الوطنية — جزءاً من الحل، فليعلم العالم أن المشكلة ستظل قائمة، بل ستتكرر حتى لو توقفت الحرب مؤقتاً.

نحن السودانيون… وتجربة الاحتراق المتكرر

لقد اكتوينا — نحن السودانيين — من الإسلاميين، والانقلابات، والولاءات للغير على حساب الوطن.

مررنا بتجارب مريرة من العمالة السياسية والانقسامات، حتى أصبحت الوطنية نفسها موضع شك.

لكن رغم ذلك، ما زلنا نؤمن أن السودان قادر على أن يكون شريكاً فاعلاً في بناء هذا الكوكب، لأننا نملك من المقومات الفكرية والموارد الطبيعية ما يؤهلنا لذلك.

قصتنا ليست مجرد صراع مدنيين وعسكريين، ولا قضية قبلية أو جهوية كما يحاول البعض تبسيطها، بل هي مشكلة في الإدراك والمعرفة.

فصناعة القرار السوداني يجب أن تكون بيد أصحاب العلم والخبرة، حتى تُصاغ حلول تحقق مبدأ الربح للجميع (Win–Win).

غياب المعرفة عن مواقع القرار يجعل من السهل استغفال المسؤولين في العقود والاتفاقيات، فيوقعون على صفقات لا يدركون عواقبها بسبب الجهل أو قلة الإدراك.

وهنا تكمن المأساة الكبرى: وطن غني بالموارد، فقير في إدارة موارده.

السودان في المشهد الإقليمي الراهن

في الوقت الذي تستقبل فيه **مدينة شرم الشيخ** مباحثات السلام الخاصة بملف غزة، من المرجح أن يكون **ملف السودان** حاضراً في الكواليس، ولو بغير إعلان رسمي.

فالقوى الدولية والإقليمية التي تشارك في هذه الحوارات تنظر إلى استقرار السودان كعامل جوهري في **أمن البحر الأحمر** و**التوازن الإقليمي** بين المشرق وإفريقيا.

فلا يمكن تحقيق سلامٍ دائم في الشرق الأوسط دون معالجة الجوار الإفريقي المضطرب، ولا يمكن تأمين الممرات البحرية ومشاريع الطاقة والغذاء دون استقرار السودان.

إن السودان، بموارده وموقعه، لم يعد ملفاً هامشياً في غرف التفاوض، بل عنصراً مؤثراً في **المعادلة الإقليمية الجديدة** التي تربط بين الأمن الإسرائيلي، وأمن البحر الأحمر، والتحول الأخضر، وأمن الغذاء في المنطقة.

رؤية وطنية جديدة لمستقبل السودان

إنّ بناء السودان الحديث يتطلب مقاربة جديدة تقوم على:

1. تمثيل وطني حقيقي في أي مفاوضات حول الثروات والسيادة.

2. إدارة علمية ومستدامة للموارد تخدم الاقتصاد الوطني أولاً.

3. دمج الأمن الغذائي والتغير المناخي في خطط التنمية طويلة المدى.

4. تطوير بنية تحتية للطاقة والمعادن والمياه تخدم التحول الرقمي وصناعة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في إفريقيا.

5. إقامة شراكات عادلة وشفافة مع الإقليم والعالم على أساس المصالح المتبادلة والمعرفة المتوازنة.

السودان في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر

يدخل العالم اليوم مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي تُعرف بـ«التحول الأخضر والرقمي» — الجمع بين الطاقة النظيفة والتقنيات الذكية لإعادة صياغة الاقتصاد العالمي.

في هذا المشهد، يمتلك السودان موقعاً فريداً يمكن أن يجعله أحد أهم اللاعبين في إفريقيا إذا أحسن استثمار موارده:

– يمتلك أراضي شاسعة صالحة للطاقة الشمسية والرياح، تؤهله ليكون مركزاً إقليمياً لإنتاج الطاقة النظيفة.

– يحتوي على معادن نادرة ضرورية لصناعة البطاريات والمركبات الكهربائية ومراكز البيانات.

– موقعه الجغرافي يمنحه ميزة لإنشاء ممرات رقمية خضراء تربط إفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا عبر البحر الأحمر.

إن الجمع بين المعرفة، والبيئة، والتكنولوجيا هو طريق السودان الحقيقي نحو المستقبل.

فإذا توافرت الإرادة الوطنية والرؤية المؤسسية، يمكن للسودان أن يتحول من ساحة صراع إلى مختبر إقليمي للتحول الأخضر والرقمي، يربط بين الأمن الغذائي والطاقي والرقمي، ويستعيد مكانته كجسر للتعاون بين الشمال والجنوب.

الخاتمة: السودان لن يبقى حديقة خلفية

لن يبقى السودان حديقة خلفية أو مخزناً لثروات الآخرين.

ومهما طال الزمن، سيعود الإنسان السوداني فاعلاً لا تابعاً، وشريكاً لا مستغَلّاً.

فالسودان الذي أنار إفريقيا في مراحل تاريخه الأولى، قادر على أن ينهض من جديد إذا تحرّر من قيود الجهل والتبعية، واستعاد ثقته بنفسه وبعلمائه، ورفع وعيه إلى مستوى إمكاناته الحقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!