رأي

آن للعقل أن يتحرر من سجن التفاسير القديمة

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

العقل هو جوهر التكليف الإلهي، وهو الباب الذي يُفتح به معنى الوجود الإنساني. لا عبادة بلا وعي، ولا إيمان بلا تفكر، ولا فَهم للنص القرآني من غير إعمال للعقل. فكيف نجرؤ، بعد أربعة عشر قرناً من التنزيل، أن نُقصي العقل عن ساحة الفهم ونستبدله بالتقليد الأعمى؟

القرآن الكريم لم يخاطب الحواس، بل وجّه خطابه إلى الفكر الإنساني في أعمق مداركه. في أكثر من سبعين موضعاً، تتردد أوامر التفكر والتعقل: «أفلا يعقلون»، «أفلا يتدبرون»، «لعلكم تتفكرون». هذه ليست زينة لغوية، بل إعلان واضح أن الإيمان لا يكتمل إلا بعمل العقل، وأن الجمود على النصوص دون وعيٍ بها هو خيانة لمعناها الأصيل.

إن ما نحتاجه اليوم ليس نصاً جديداً، بل قراءة جديدة للنص. فالتفاسير التي أُنتجت قبل ألف عام كانت تعبيراً عن وعي أصحابها وثقافتهم وعلوم عصرهم، وليست وحياً ثانياً لا يجوز المساس به. وقد آن لنا أن نكفّ عن التعامل مع التراث بوصفه منطقة محرّمة، وأن ندرك أن الله لم يطلب منا أن نُغلق عقولنا ونركن إلى فهم أسلافنا، بل أن نُعمل عقولنا ونقرأ بعين الزمان الذي نعيش فيه.

القرآن ليس أسيراً في رفّ الماضي، ولا هو كتاب تاريخ، بل مشروع وعي متجدد، يُعيد تشكيل الإنسان في كل عصر. أما المصحف، فهو الوعاء المادي للنص، بينما القرآن هو المعنى الذي يتجلى في الوعي والعقل. وما لم نحرر أنفسنا من قيد “التفاسير الجاهزة”، فلن نرى هذا المعنى، ولن ندرك دقة هذا الخطاب الإلهي الذي لا يعرف الترادف ولا التكرار ولا العبث.

لقد آن للعقل المسلم أن ينهض من سباته الطويل، وأن يتحرر من خوفه المزمن من التفكير. إن الله لم يمنح الإنسان العقل عبثاً، ولم يخاطبنا لنكرر ما قاله غيرنا. من أراد أن يفهم القرآن حقاً، فعليه أن يقرأه بعقله لا بعين غيره، وأن يسأل، ويفكر، ويشك، ليصل إلى اليقين.

إن الجمود على تفاسير الأموات هو موتٌ للعقل الحي، وتقديس الاجتهاد البشري خيانة للنص الإلهي. وما لم نجرؤ على إعادة قراءة القرآن بعين عصرنا، سنظل نكرر تاريخنا، ونتلو كتاباً لا نعيه، ونتعبد لنص لم نفهمه بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!