
عنوان المقال:
إيمان التجاني
في مشهد يعكس قمة الاستخفاف بعقول الناس وذاكرة الشعوب، خرج أحد منتسبي جماعات الهوس الديني على شاشة قناة الجزيرة ليعلن انتماءه للمؤتمر الوطني، دون أن يوضح لأي جناح من أجنحته المتشعبة ينتمي، وكأنّ التمييز بين هذه الأجنحة بات ذا معنى بعد أن تلوثت جميعها في مستنقع واحد من الجرائم والانتهاكات والفساد.
المفارقة المدهشة أن هذا الشخص، الذي قاتل إلى جانب الجماعات الإرهابية من “الدواعش” و“كتائب البراء”، وحرّض على القتل ومارس أبشع أشكال العنف والتنكيل – من بقر البطون إلى أكل الأحشاء وتصفية الأبرياء على أساس الهوية – هو نفسه الذي ظهر على الشاشة يتحدث بلغة الاعتذار!
لكن، عن أي شيء يعتذر؟
هل يعتذر عن دولة أمنية بدأت مسيرتها بـ“دق المسمار في رأس الطبيب” وانتهت بـ“إدخال الخازوق في جسد المعلم”؟
هل يعتذر عن ثلاثين عامًا من الاستبداد والنهب والحروب الأهلية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية؟
أم يعتذر عن أكثر من خمسين قياديًا في حزبه مطلوبين للعدالة الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟
ما لا يدركه هذا الكائن المهووس أن الاعتذار لا يكون غطاءً للجرائم، بل اعترافًا بها، وأن من تسبب في قتل مئات الآلاف وتشريد الملايين لا يمكنه أن “يتطهر بالكلمات” على الهواء مباشرة. فالتاريخ لا يُمحى بالاعتذار، والدماء لا تُغسل بالتصريحات.
الحركة الإسلاموية في السودان – بمسمياتها كافة – ليست حزبًا سياسيا فحسب، بل منظومة إجرامية متكاملة استخدمت الدين غطاءً للاستبداد، فجمعت بين المال والسلطة والفتوى لتخنق الوطن باسم الشريعة، وتمارس الفساد والقتل باسم الدين.
لقد سرقوا أكثر من 300 مليار دولار من أموال الشعب، وأشعلوا الحروب في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، ومزقوا النسيج الاجتماعي، حتى صار السودان أكثر انقسامًا من أي وقت مضى. ثم، وبعد أن أسقطتهم ثورة ديسمبر المجيدة، عادوا ليشعلوا هذه الحرب المدمرة، سعيًا للعودة إلى السلطة على جماجم ودماء الأبرياء.
إنّ اعتذار هؤلاء ليس سوى محاولة جديدة لتبييض وجوه سوداء بجرائم لا تُغتفر، وإعادة تدوير خطابٍ ميت في ضمير الأمة. فالتوبة لا تكون من على الشاشات، بل أمام المحاكم، والندم لا يُثبت بالتصريحات، بل بالعدالة.
الكيزان – كما خبرهم الشعب السوداني – لا يعتذرون لأنهم نادمون، بل لأنهم خائفون. خائفون من العدالة، من ذاكرة الضحايا، ومن جيلٍ لم يعد يُخدع بالشعارات.
أما السودان، فقد وعى الدرس جيدًا:
لن تقوم له قائمة طالما ظل بين ظهرانيه من يبرر القتل باسم الدين، ويطلب الصفح على الدماء المسفوكة بعبارات جوفاء.
فمن أجرم في حق هذا الوطن، لا يملك حق الاعتذار، بل عليه أن يواجه القصاص والعدالة — لا الميكروفون والكاميرا.




