رأي

🟩 لماذا فشلت دولة ٥٦؟ من الحنين إلى التأسيس

د.احمد التيجاني سيد أحمد

 

 د. أحمد التيجاني سيد أحمد

في كل مرة نسمع فيها عبارة “دولة ٥٦”، نتنهد كما لو كنا نسترجع لحظة الميلاد الأولى لوطنٍ لم يولد كاملًا. كانت تلك الدولة قد خرجت من رحم الاستعمار بلا قابلةٍ وطنية، ومنحتها بريطانيا علمًا وأناشيد، لكنها سلبتها الوعي والبوصلة. فصارت دولةً تائهة بين ثلاثة آباء: العسكر، والطائفية، والقبلية — وكلٌّ منهم ادّعى البنوة الشرعية.

أخطأ مؤسسو ٥٦ حين ظنّوا أن الاستقلال هو رفع العلم فقط، لا بناء الإنسان. كانوا مثقفين نبلاء، لكنهم أسرى زمنٍ لم يفهموا تغيّره: ظنّ إسماعيل الأزهري أن الخلافات تُحلّ بالشاي والكرم، واعتقد محمد أحمد محجوب أن الشعر يكفي لصناعة دولة، وحسب عبد الرحمن المهدي أن الزعامة الدينية يمكن أن تُنتج مؤسسات حديثة. تلك كانت دولة النوايا الطيبة بلا أدوات. وحين جاء العسكر، ورثوا الطهارة فحوّلوها إلى غطرسة. فمات المشروع الوطني في مهده، وتحوّل السودان إلى معمل تجارب للانقلابات والعقائد.

اليوم، وبعد سبعين عامًا، يكتب ما تبقّى من حملة ذاكرة تلك الدولة — في المنافي، في العواصم الباردة، في مقاهي الاغتراب — عن “الزمن الجميل”، كأنّهم يعزّون أنفسهم على وطنٍ لم يُدفن بعد. يتحدثون عن أزهريٍ يزور نادلًا في بيته، ووزيرٍ يُعيد طبلة الجراج، ورئيسٍ يخشى أن يمنعه الخفير من دخول المستشفى. تلك كانت أخلاق جيلٍ آمن أن السلطة خدمة لا ترفًا.

لكن خلف تلك الحكايات العذبة تختبئ رومانسية العجز؛ فالذين صنعوا التاريخ لم يكتبوا دستورًا يصونه، والذين بكوه اليوم يكتبون ذكرياتٍ لا مشاريع.

ولا يزال من تبقّى منها اليوم من بقايا أبنائها وبناتها يكتب عنها بحنينٍ رومانسي، في انتظار الرحلة الأخيرة إلى مقابر النزوح والهجرة.

في ذات العقود التي كانت فيها الخرطوم تتنازع بين الطائفية والعسكر، كانت الصين الخارجة من ثورتها الثقافية تمسح دماءها وتبدأ البناء. التعليم أولًا، والانضباط قبل الشعارات، والمؤسسة قبل الفرد. في ثلاثين عامًا فقط صعدت الصين من الجوع إلى القمر، وفي سبعين عامًا هبط السودان من القصر إلى الخيمة.وبقايا الصريف المحروق. اناأكتب كشاهدٍ زار الصين مرّات عديدة بين ١٩٩٣ و٢٠١٦، زاي كيف يتحوّل الفقر إلى رؤية، والانضباط إلى نهضة.

لم تفشل دولة ٥٦ لأنها بلا وطنيين، بل لأنها بلا رؤية وبلا جهاز عصبي يقودها نحو المستقبل. ولذلك — في تحالف التأسيس — لم نكتب على الأطلال، بل كتبنا دستورًا للحياة القادمة: دستور السودان التأسيسي، حيث يُبنى الحكم على المواطنة، والجيش على القومية، والثقافة على الحرية والتقدّم، وعلى حبر المساواة وعدم التهميش.

ولمن يتجرّع الخوف والشك نقول: إن قادة التأسيس خرجوا من رحم هذا البلد المتنوّع، ويمدّون أياديهم لرفاقهم الآخرين بلا تعصّب لعرقٍ أو دينٍ أو جهة.

نواصل…

أحمد التيجاني سيد أحمد

هلسنكي – فنلندا

١٥ أكتوبر ٢٠٢٥

قيادي ومؤسس في تحالف تأسيس السودان

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!