رأي

السلام من موقع قوة: دعوة واضحة لحماية دولة المواطنة

خضر كوة

 

خضر كوة 

في عالمٍ لا يُقاس فيه الحقّ دائمًا بمدى عدالته بل بقوّةِ من يحملونه، تبقى القيم الإنسانية السامية هدفًا لا يَحِدُّ عنه الضمير، لكنّ الوصول إليها يتطلب إدراكًا واقعيًا لطبيعة العلاقات الدولية والسياسات الصلبة. إنّ من يخرج إلى ساحة السياسة بلباسٍ أخلاقي بحت لا يملك أدوات الدفاع والتفاوض، سيصبح ضحية لمن يتقنون لعبة المصالح والصفقات تحتَ غطاءٍ من الزيف والجبروت.

قراءة الواقع بلا أوهام

الواقع المرير في السودان اليوم يُعلّمنا درسًا صارخًا: العالم، في غالب أحواله، يحكمه حساب المصالح. من يملك القوة أو أدواتها — عسكرية، مالية أو دبلوماسية — يستطيع أن يفرض وقائعٍ ويبرّر صفقاتٍ وحتى ينال غطاءً دوليًا. وفي هذا السياق، ليس غريبًا أن تشهد الساحة صفقات عسكرية واتفاقات سرية تُبرم مع أطرافٍ لا تلتزم بالقوانين الدولية، ومع جهاتٍ تُسوّق أسلحةً قد تُستغل في تقوية الجماعات المتطرفة أو تكريس الاستبداد. إن تجاهل هذا الواقع أو الاستمرار في خطاب السلام كمجرد كلماتٍ طيبة بلا أساسٍ استراتيجي هو بمثابة الانتحار السياسي لقيمنا.

السلام ليس رفاهيةً أخلاقية فحسب — إنه استراتيجية

الهدف الإنساني والسامي للسلام لا يتنافى مع ضرورة امتلاك قدراتٍ وسياساتٍ تُصون هذا الهدف. بل إن السلام الحقيقي لا يُبنى إلا عندما تُدافع المؤسسات والقيادات عن حقوق المواطنين بجديةٍ، وتضع مصالح الدولة فوق المصالح الشخصية، وتمتلك القدرة على كبحٍ وفضح أي تغوُّل داخلي أو خارجي. دعوةُ السلامَ من موقع الضعف تُنتج استسلامًا؛ أما السلامُ من موقع القوة فينتج عدلاً واستقرارًا طويلَي الأمد.

التحذير والاتهام — لماذا لا بد من اليقظة؟

عندما تُبرم اتفاقات عسكرية مع قوىٍ تنتهك القوانين الدولية أو توفّر أسلحةً قد تُستخدم ضدّ الشعب أو تُقوّي المتطرفين، فإنّ ذلك لا يُخضع للتقليل أو الصمت. على القوى الوطنية والمدنية والقيادات الواعية أن تُدرك أنّ السكوت أو التواطؤ سيُكلف الوطن غالياً. العالم لا يتعامل مع الضحايا بمثل ما يتعامل مع من يملكون أدوات الضغط؛ لذا النداء الآن هو للخروج من «جلباب السلام» الرقيق والادعاء الأخلاقي وحده — فالمعركة من أجل الوطن تتطلّب استعدادًا للتعامل مع الخطر بجدّية وذكاء.

كيف نطروح السلام من موقع قوة؟ — مقترحات عملية

1. بناء تحالفات سياسية ودبلوماسية مستنيرة: التعاون مع دول وإقليميات تُحترم فيها القوانين الدولية، وإقامة تحالفات تقوّي موقفنا السياسي وتُعرّي من ينتهكون القانون.

2. الشفافية وكشف الحقائق: توثيق أي صفقات مشبوهة وتسليمها إلى منظمات دولية وإعلامية مستقلة؛ فالعالم يُحسَب عليه صورته، وكشف الحقائق يضع ضغوطًا على من يسيء التصرف.

3. تعزيز قدرات الدفاع المدني والمؤسسات الشرعية: تطوير قدرات دفاعية غير عدوانية تضمن أمن المدنيين وتردع التجاوزات، مع الحفاظ على سيادة القانون والمؤسسات المدنية.

4. الرد القانوني الدولي: الاستعانة بالقنوات القانونية الدولية لمحاسبة من يخرق القوانين أو يزوّد الميليشيات أو الجماعات المتطرفة.

5. العمل الداخلي على الوحدة الوطنية: بناء خطابٍ وطني يُوحّد الشعب ويُقوّي مؤسسات الدولة المدنية والحقوقية، ويقطع الطريق أمام من يروجون للعنف أو الانقسام.

6. استراتيجية إعلامية ذكية: استخدام الإعلام الوطني والدولي لفضح الانتهاكات وشرح رؤية السلام من موقع قوة، وكسب رأي عام دولي مؤيد لحقوق الشعب.

الخاتمة — التزام أخلاقي مع حزمٍ عملي

لا بدّ من التذكير بأنّ السعي للسلام مسؤولية أخلاقية لا نتخلّى عنها، لكنّنا في الوقت نفسه لا نملك رفاهية التصوّر الأخلاقي المجرد كاستراتيجية وحيدة في عالمٍ تحكمه المصالح. السلام الحقيقي يتطلّب موقفًا شجاعًا وواعيًا قادرًا على حماية المواطنين ومحاسبة المعتدين، واستخدام كلّ الوسائل المشروعة لوضع المصلحة الوطنية والإنسانية في المقدمة. إنّ من لا يُدرك هذا التوازن سيجد أن العالم سيحترم من يُظهر القوة والصرامة أولًا، ثم الشفقة والعدل لاحقًا — أما من يظهر الضعف فيُنسى، ويُصبح ضحية للعبة المصالح الدولية.

رسالة إلى حكومة التأسيس — السلام لا يُوهب، بل يُنتزع بالقوة والهيبة

إلى حكومة التأسيس التي تحمل على عاتقها مسؤولية ولادة دولة المواطنة في السودان:

اعلموا أن السلام لا يُعطى صدقةً من أحد، ولا يُوهب في بياناتٍ ناعمة، بل يُنتزع بقدرةٍ وهيبةٍ تحمي الحق وتصونه. العالم لا يحترم من يرفع شعار السلام وهو أعزل، بل يحترم من يفرض السلام بقوة الإرادة، وقوة الدولة، وقوة الموقف.

إنّ بناء السلام يبدأ من امتلاك القوة المنظمة والعادلة — القوة التي تردع العدوان، وتكسر هيمنة المجرمين، وتمنع صفقات الدم التي تُدار باسم الوطن. فكونوا أنتم الدولة التي تفرض احترامها قبل أن تطلبه، وتبني السلام من موقعٍ سياديٍّ لا من موقع الاستجداء.

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والعالم لا يلتفت إلى من يتحدث عن العدالة دون أن يمتلك أدوات حمايتها. السلام نفسه يولد من رحم القوة؛ فمن لا يملك القوة لن يملك سلامًا، ومن لا يحمي نفسه لن يحمي شعبه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!