رأي

الجنرال.. الوجه العسكري القبيح لمشروع الإسلامويين في السودان

علي سانتينو

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لايزال يبحث الهروب من الحقيقة، كما هرب دائماً من مواجهة واقعه ومسؤولياته العسكرية. وبدلاً من السعى نحو تسوية تضع حجر الأساس لدولة جديدة تنهض من رُماد الحرب، اختار أن يعود إلى أحضان ذات الجماعة التي خربت البلاد وحرقت حاضرها. الإسلاموين الذين يملكون القرار في الحرب والسلام، ويمسكون بخيوط اللعبة من وراء الستار، ويديرون المشهد بالمال والفتاوى والسلاح.

البرهان اليوم ليس أكثر من واجهة عسكرية لمشروعٍ سياسي مأزوم، يعيش على جثث الأبرياء ويقتات من استمرار الفوضى. كل تصريح له، او خطابٍ في صيوان عزاء أو منبر عام، يكشف أنه لا يريد سلاماً ولا انتقالاً في شكل السلطة، بل يريد وقتاً إضافياً ليعيد ترتيب صفوفه المتهالكة. وما قاله هذا الجنرال أمام صيوان عزاء لضابط قتل بالفاشر، وأعلن أنه غير معني بتحركات الرباعية، ليس إلا رسالة تحدٍّ للعالم بأن الحرب ستبقى خياره المفضل طالما أن الكيزان راضون عنه. لكن المفارقة الصارخة أن هذا التصريح جاء بعد يوم واحد من زيارته للقاهرة. وهناك، في دهاليز المخابرات المصرية، تُرسم ملامح موقف البرهان من الانخراط في اجندة الرباعية، وهناك تُطبخ خطط الإطالة والمماطلة. فعندما يتحدث البرهان، فهو في الغالب يكرر ما يُملى عليه من القاهرة، حيث لا تزال الدولة العميقة هناك ترى السودان تابعاً لا شريكاً. إنها وصاية ناعمة، لكنها أكثر خطورة من الاحتلال، لأن من يمارسها يعرف تماماً أين يوجع الجسد السوداني.

ان الموقف المصري لا يقل ازدواجية عن موقف البرهان المضطرب. مصر عضو في (الرباعية) التي تدعو للسلام في السودان، لكنها في الواقع تعمل على إنشاء منبر خاص بها لتوجيه مسار العملية السياسية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية لا مصالح السودانيين.  الحقيقة ان القاهرة لا تريد سودان حُر ديمقراطي، بل سوداناً مطيعاً، يدار من شمال النيل، ويحكمه جنرال يرفع يده بالتحية كلما رنّ الهاتف السيسي او مكاتب مخابراته. أما البرهان، فلا يستطيع الفكاك من علي كرتي ولا التمرد على القاهرة. هو يقف في المنتصف كمن يرقص على حافة الهاوية، يخاف من السقوط لكنه لا يعرف طريق النجاة. كل يوم يثبت أن قائد الجيش لا يملك قراره، وأن جيشه صار رهينة في يد الإسلامويين الذين يشعلون الحرب من أجل مشروعهم، لا من أجل السودان. الحقيقة أن الجنرال البرهان لا يقاتل من أجل الوطن، هو يقاتل من أجل بقاء منظومة الفشل التي صنعته وحمته وجرته إلى الحرب صاغراً. يبحث عن نصرٍ وهمي ليغسل به عار الهزيمة التاريخية، بينما يتساقط الوطن من بين يديه الملوثه بالدماء كحفنة رمل.

الرباعية تتحدث عن وقف الحرب وبناء السلام دائم في السودان، لكن البرهان يرد عليها بمزيد من الانتهاكات والدماء والخراب، لأن الحرب بالنسبة لهذا الجنرال ليست مأساة، بل فرصة مواتية للبقاء. والخطر أن هذه اللعبة القذرة لن تتوقف ما لم تُكسر الحلقة المفرغة التي تربط الخرطوم بالقاهرة، والجيش بالكيزان. لقد وصل السودان إلى لحظة الحقيقة الواضحة، إما أن يختار طريق الدولة المدنية الديمقراطية، وإما أن يبقى رهينة لجيل من العسكراتية والإسلامويين الذين يتاجرون بالوطن كما يتاجر السماسرة بالبضائع الفاسدة. برهان اليوم ليس قائداً لجيش وطني، بل حارس بوابة الماضي (56)، وكل يوم يمرّ دون سلام هو يومٌ جديد يكتبه في سجله الدموي وخياناته تجاه وطنٍ أنهكته الحروب والانقسامات والشعارات السياسية الفارغة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!