رأي

🟦 صناعة الوهم في بورتسودان: حين يتحوّل الخبر الإنساني إلى مسرحية دبلوماسية

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

في الأوقات التي تفقد فيها الدول اتزانها، ويغيب عنها الإحساس بالمسؤولية، تبحث عن الخلاص في أكثر الطرق بؤسًا: الكذب. وعندما يصبح الإعلام الرسمي جزءًا من ماكينة الخداع، يتحوّل الخبر من أداة توعية إلى وسيلة تضليل، كما حدث مؤخرًا في الفضيحة التي جمعت بين وكالة السودان للأنباء “سونا” وقناة “الحدث السوداني”، حين زعمتا أن وفدًا من الاتحاد الأوروبي زار الخرطوم لبحث مشاريع مشتركة، بينما كانت الحقيقة شيئًا آخر تمامًا.

الصورة التي تصدّرت الخبر لم تكن لجوليا هيلاند، كما ورد في النشر، بل للسيدة كيلي تي. كليمنتس، نائبة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. زيارتها لم تكن سياسية ولا دبلوماسية، بل إنسانية خالصة تتعلق بأوضاع ملايين النازحين السودانيين الذين شردتهم الحرب. ومع ذلك، قررت الحكومة في بورتسودان أن تُحوّل المأساة إلى عرض إعلامي، وأن تسرق من المعاناة معناها لتجعلها مادة تلميع للسلطة.

إن ما حدث لا يمكن وصفه بخطأ مهني، بل هو تزييف متعمّد للوعي العام. فحين تختلق حكومة قصة عن “وفد أوروبي رفيع”، وتُزيّنها بصورة لمسؤولة أممية لا علاقة لها بالأمر، فإنها لا تبحث عن الحقيقة، بل عن لحظة استعراض زائفة توحي بأنها ما تزال على خريطة العالم. إنها محاولة لإحياء شرعية ميتة عبر لقطات مُمنتجة بعناية، بينما الواقع يقول إن تلك السلطة لا تملك من أمر السودان شيئًا سوى مكبرات الصوت الرسمية.

والأدهى أن قناة بحجم “الحدث السوداني”، التي يفترض أن تمتلك أدوات التحقق، وقعت في الفخ ذاته ونشرت الخبر دون تدقيق أو مراجعة. سقوط مزدوج: سقوط الدولة التي تكذب، وسقوط الإعلام الذي يصدق دون سؤال. هكذا يتواطأ الصوت مع الصورة، لتُقدَّم المأساة في قالب دبلوماسي مبتذل.

في زمن الحرب والخراب، تصبح الدعاية بديلاً عن الإنجاز، وتتحوّل المعاناة إلى مشهد في نشرات الأخبار. الحكومة التي لا تفرّق بين الاتحاد الأوروبي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا يمكنها أن تفرّق بين الحقيقة والوهم. إنها تعيد إنتاج ذات أساليب المركز القديم: صناعة صورة لسلطة من ورق، وبيعها للشعب على أنها “علاقات خارجية”.

لكن الحقيقة لا تُشترى ولا تُصنع. كيلي كليمنتس لم تأتِ لتمنح الشرعية، بل لتذكّر العالم بمأساة اللاجئين السودانيين، أولئك الذين تحوّلوا إلى أرقام في تقارير الأمم المتحدة. ومع ذلك، استخدمها الإعلام الرسمي كأداة تجميلية، في مشهد يختصر كل شيء: دولة تخلّت عن واقعها لتعيش في خيالها.

إنها ليست مجرد سقطة إعلامية، بل مرآة لانحدارٍ أخلاقيٍ شاملٍ في إدارة المعلومة. فالسلطة التي تكذب في هوية الزائر، ستكذب أيضًا في أرقام الضحايا، وفي مسار الحرب، وفي وعود السلام. إنها بورتسودان اليوم، عاصمة الوهم الجديد، حيث تُختزل المأساة في “لقطة”، وتُباع الحقيقة في سوق الدعاية الرسمية.

فمن كيلي إلى جوليا، ومن اللاجئين إلى الصور المُصنّعة، تتجلّى القصة الحقيقية: وطنٌ يُدار بالكذب، وإعلامٌ فقد آخر خيوط المهنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!