
ابو عبدالله الراشدي
“حين يُتخذ الدين وسيلةً للحكم، يُهان في الأرض قبل أن يُحاسَب في السماء.”
لم يكن سقوط الإسلام السياسي حدثًا عابرًا في مسار التاريخ الحديث، بل لحظة وعي كبرى أسقطت أقنعة استُهلكت طويلًا باسم الله. لعقودٍ جرى التلاعب بالمشاعر الدينية وتوجيه الإيمان ليخدم غايات السلطة، حتى غدا الإسلام في خطابهم لافتة سياسية لا رسالة روحية. رفعوا شعار “الإسلام هو الحل”، لكنهم جعلوا الإسلام جزءًا من المشكلة حين حوّلوه من دينٍ شامل إلى مشروع حزبي ضيق، ومن عبادةٍ صادقة إلى خطةٍ للتمكين.
بدأت الحكاية بوعدٍ مقدسٍ سرعان ما تحوّل إلى طموح دنيوي. من حلقات الدعوة إلى دهاليز السياسة، تمدّد التنظيم في الظل حتى صار “دولة داخل الدولة”، لا هدف له سوى الوصول إلى الحكم بأي وسيلة. لم يكن سقوطهم في القاهرة أو الخرطوم أو تونس سوى النتيجة الطبيعية لحلمٍ أعمى لم يرَ في الناس مواطنين بل جنودًا، ولم يعرف في الوطن سوى مساحةٍ للسيطرة.
وحين صعدوا إلى السلطة، انكشف العجز المستتر خلف الخطاب الديني. لم يجدوا حلولًا سوى تكرار الشعارات القديمة، ولم يقدّموا مشروعًا سوى البكاء على المظلومية. بدل أن يعالجوا الفقر، خلقوا فقرًا أعمق في الوعي. بدل أن يوحّدوا الأمة، قسّموها إلى فسطاطين: معهم وضدهم. وهكذا تحوّل الدين الذي جاء رحمة للعالمين إلى رايةٍ تبرر الصراع والدماء.
إن أخطر ما صنعته هذه الجماعات ليس فسادها السياسي، بل تشويهها لصورة الإسلام نفسه. لقد قدّمت الدين كوجهٍ غاضب، وكصوتٍ يصرخ لا يعقل. ارتبطت صورة “الإسلامي” في وجدان الناس بالدم والسجون والفتاوى التي تبرر القتل، بينما غابت قيم الرحمة والعدل والجمال التي بُعث بها النبي الكريم. تلك هي الخسارة الحقيقية التي تجاوزت السياسة إلى الإيمان ذاته.
منذ سقوطهم، يحاولون التجدّد في صورٍ أخرى: مراكز بحثية في أوروبا، قنوات فضائية، وواجهات خيرية تتحدث عن الحرية وهي تمارس الإقصاء. غير أن الوعي الجديد لم يعد يُخدع بتلك الأقنعة. لقد سقطت اللغة التي كانت تلمّعهم، وسقط معها القاموس الذي اختطف كلماتٍ مثل “التمكين” و”الطاعة” و”المفاصلة”. انكشفت البنية الطفيلية التي تعيش على أزمات الشعوب، كلما انهارت دولة قفزوا فوق الركام زاعمين أنهم البديل.
لكن الله لا يمنح سلطانه لمن يتاجر باسمه، ولا يرضى أن يُستعمل الدين كأداةٍ للابتزاز. لقد خسر الإخوان ومن سار على دربهم لأنهم ظنوا أن الخداع باسم العقيدة يُقربهم من الله، فكان عقابهم أن انكشفوا أمام الناس أجمعين. لم يسقطوا بفعل خصومهم، بل بفعل أكاذيبهم التي تناقضت مع كل ما ادّعوه من تقوى وصلاح.
إن الوعي الجديد لا يبحث عن “إسلام سياسي”، بل عن إيمانٍ صادقٍ وإنساني، يحرّر الإنسان بدل أن يُقيده، ويزرع في الأرض عدلاً لا وصاية. لقد انتهى زمن الشعارات، وسقطت قداسة التنظيمات، وبقي الإسلام في صفائه الأول، دينًا للحرية والرحمة لا أداةً للسيطرة. هكذا تسدل الخديعة ستارها الأخير، ويبدأ فجر الحقيقة: الإسلام لا يسقط، إنما يسقط من تاجروا باسمه.




