
التنوير….خاص
بتجمع السودانيين المستقلين Independent Sudanese Assembly
يشهد السودان اليوم مرحلة دقيقة من تاريخه، تتقاطع فيها محاولات إيقاف الحرب مع تصاعد مظاهر التفكك الاجتماعي والسياسي، حيث أُفرغت القيم الوطنية من محتواها وتحولت الدولة إلى ساحة تتنازعها الولاءات الضيقة بعد أن غاب المشروع القومي الجامع. وفي الوقت الذي تعمل فيه الرباعية الدولية على دفع الأطراف نحو تسوية سياسية تُعيد بعض التوازن إلى المشهد، يبدو أن جوهر الأزمة ما زال أعمق من مجرد صراع على السلطة أو تفاوض على المناصب؛ إنها أزمة وعي وطني تراجع أمام سطوة الانتماء القبلي والإثني الذي عاد إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة.
ذهب بعض المفكرين السودانيين إلى أن ما يعيشه السودان اليوم هو نتيجة لانحراف الوعي السياسي عن مساره الطبيعي، حيث تحولت مفاهيم كانت تُستخدم لتحليل الظلم التاريخي في توزيع السلطة والثروة إلى أيديولوجيات جديدة تسوّق للانقسام وتبرّر إعادة إنتاجه. فكرة “المركز والهامش” مثلاً، التي وُلدت في سياق أكاديمي لفهم الخلل التنموي، أصبحت مع مرور الزمن سلاحاً لتفكيك الهوية الوطنية، وصار الانتماء الجغرافي أو الإثني بديلاً عن الانتماء إلى الوطن نفسه. ومع استمرار الحرب، صعد خطاب يقدّم السودان كمجموعة شعوب متناحرة، لا كشعب واحد بتنوعه وعمقه الحضاري.
إن المتتبع لما يُسمى بالسلطات القائمة — سواء تحت مسمى “حكومة الأمل” أو “حكومة السلام” — يدرك أنها قامت على تحالفات بين حملة السلاح، بينما كان المدنيون مجرد قشرة خارجية تمنح تلك الترتيبات مظهراً مدنياً مرغوباً دولياً، دون أن تمثل في جوهرها مشروع الدولة المدنية أو مؤسساتها. وحتى الكيانات التي تُطرح اليوم كمحاولات مدنية، مثل “صمود” أو غيرها، ظلت المشاركة فيها محدودة في أشخاص لا في أجسام منظمة، ما جعل الخطاب المدني هشاً وعاجزاً عن فرض بديل وطني واضح.
لقد عادت المسميات القبلية والإثنية لتفرض نفسها في المشهد السياسي والإعلامي والاجتماعي بصورة غير مسبوقة، حتى بات الولاء للقبيلة أو الجهة أهم من الولاء للدولة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تواجه أي جهد دولي أو وطني لبناء السلام، إذ لا يمكن أن يتحقق سلام مستدام في ظل خطابٍ يُعيد تعريف الهوية السياسية على أساس الأصل أو العِرق بدلاً من المواطنة المتساوية. فكيف يمكن للرباعية أن تُصمم عملية سياسية عادلة إذا كان الميدان نفسه محكوماً بمعادلات انتماء ما قبل الدولة؟
إن السودان اليوم في حاجة إلى قراءة جديدة، لا إلى إعادة توزيع النفوذ بين قوى أمر واقع. المسألة لم تعد في من يحكم، بل في كيف نحكم، وبأي وعيٍ نُعيد تأسيس وطنٍ لم يبقَ من مؤسساته إلا الاسم. السلام الحقيقي لا يُبنى على توازن القبائل، ولا على محاصصات البندقية، بل على وعي وطني جامع يعيد تعريف الانتماء إلى السودان كمشروعٍ حضاري لا كغنيمة جغرافية.
لقد آن الأوان لأن تدرك الرباعية أن الحل لا يمكن أن يكون عبر القوى المسلحة وحدها، ولا عبر المدنيين الذين جرى تفريغهم من مضمونهم، بل عبر قوى المجتمع التي ما زالت تؤمن بفكرة الدولة الواحدة المتنوعة. دعم هذا الاتجاه يتطلب فتح المسار أمام أصوات مستقلة حقيقية، لا تُقاس بثقلها القبلي ولا بقدرتها على التهديد العسكري، بل بقدرتها على استعادة الفكرة السودانية التي تجمع بين الحرية والوحدة والمسؤولية.
إننا في تجمع السودانيين المستقلين نرى أن طريق الخلاص يبدأ من مشروع وطني يضع المواطنة فوق الانتماء، ويعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن دون وسائط قبلية أو أيديولوجية. فالسودان لن ينهض بتحالفات القبائل ولا بصفقات الميليشيات، بل بعقد اجتماعي جديد يعيد للمدنيين دورهم وللوطن كرامته. وما لم يتحول الجهد الدولي من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الدولة، فستظل كل مبادرة سلام مجرد هدنة مؤقتة فوق أرضٍ تتشقق كل يوم تحت ثقل الانقسام.
السودان اليوم لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه، بل إلى من يتحدث له، بوعيٍ متزن، وبإيمانٍ راسخ بأن هذا الوطن أكبر من أن يُختزل في الهامش أو المركز، وأعمق من أن يُقسّم بحدود القبيلة. والسلام الذي نريده ليس هدنة بين المتحاربين، بل مصالحة كبرى بين أبناء السودان أنفسهم.




