رأي

من الحزام الأسود إلى الوجوه الغريبة.. القانون يتحول إلى أداة فرز اجتماعي

د. خالد تارس

 

في زمانٍ تتبدل فيه الوجوه وتتكشف فيه الأقنعة والستائر، يطلّ علينا مشهد العزل الاجتماعي بثوبٍ جديد. ما يجري في جنوب الخرطوم تحت حملة إزالة السكن (العشوائي) ليس تنظيماً عمرانياً كما يُروَّج السفهاء، هو في الواقع إعادة إحياء فكرة قديمة مفادها أن بعض الوجوه لا تنتمي للمكان. وكأننا نعيش عصراً تُوزَّع فيه صكوك المواطنة وفق شكل الملامح والوان البشر، لا عمق انتمائهم.
الأحياء التي استهدفتها جرافات البرهان ليست وليدة اللحظة، هي مساكن بنيت على تاريخٍ طويل من الاستقرار والعمل. هناك، في ما كان يُعرف بـ(الحزام الأسود)، حيث عاش مواطنون نزحوا من غرب السودان بسبب الظروف الاقتصادية والامنية منذ أكثر من نصف قرن، وفّر لهم نظام النميري مساكن في أطراف العاصمة. ومنذ ذلك الوقت، صارت تلك المناطق جزءاً من ذاكرة الخرطوم ورونقها، تشهد على قدرة السودانيين على التعايش رغم التفاوت والضيق.!

لكن بعد 15 أبريل، انكشفت هشاشة الدولة تحت وطأة الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، حين عادت السلطة لتفتح ملف مايسمى ب(الوجوه الغريبة) وتضع له قانوناً. فجأة، يتحوّل المواطن العادي إلى متهمين بالانتماء الخطأ، وتحوّل وجودهم إلى عبءٍ على العاصمة. وتكررت الحِجة نفسها التي سمعناها في مشروع الجزيرة، ان هؤلاء ليسوا من هنا. وهكذا، اختارت السلطة أن تواجه أزمتها بالهدم لا بالبناء الاجتماعي، وبالتمييز لا بالعدالة.
فقد اتضح ان القضية تتجاوز حدود التنظيم الحضري، لتصل إلى سؤال عن الموطن والاصل، ثم ومن يملك الحق في المدينة؟ يجب ان يطرح هذا السؤال، حين يُستخدم القانون لتبرير الإقصاء والطرد، وحين يصبح القانون نفسه أداة قهر وتسلط. وعندما تُساق الجرافات باسم السكن العشوائي، وتُسحق تحتها قيم المواطنة التي يفترض أن تحميها الدولة.!

ما يحدث اليوم لمواطني جنوب الخرطوم في مايو وعد حسين والانقاذ، ليس مجرد إزالة بيوت الجالوص، بل محاولة لإزالة فكرة المساواة ذاتها. فالسلطة التي تصف الناس بـ(الغرباء)، او الغرابة تنسى أن هؤلاء هم الذين بنوا طرق الخرطوم وأسواقها ومنازلها العريقة، وشاركوا في حربها وسِلمها، وأنهم، ببساطة سودانيون بالميلاد والمعاناة معاً.!

وفي الظروف القاسية التي يعيشها الناس في الخرطوم من فقر وجوع وخوف، فإن الحل لا يأتي بالهدم، بل بالاعتراف. الاعتراف بأن العدالة المكانية جزءُ من العدالة الاجتماعية، وأن لكل مواطن حقاً أصيلاً في السكن والأمن والكرامة. وعلى السلطة العنصرية في بورتسودان الكفّ عن هندسة المجتمع بالعنف، وأن تبدأ في هندسة الثقة بالمواطنة والمساواة، وبسياسات إسكان عادلة بين المواطنيين، وتعويضات منصفة لهم، وإعادة تخطيط تشاركية لا (انتقامية). فالوطن لا يُبنى بجرافة تهدم الانتماء للسودان، يبنى بعقلٍ يعترف بتنوعه الثقافي والعرقي. فقد انقطع الشك من لدن نميري الى البرهان، ان الوجوه الغريبة ليست تلك التي تُرى في الشوارع وتقطن الاطراف، بل تلك التي تحكم بعين لا ترى سوى لونٍ واحدٍ للوطن.!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!