
الطاهر علي موسي
قبل نصف ساعة فقط من حديثه، قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عبارة حيّرت كثيرين: “لقد أولينا اهتماماً بالشأن السوداني”. ورغم بساطة الجملة، إلا أنها أحدثت رجّة في المشهد السياسي السوداني، بين من استبشر بها خيراً ومن انزعج منها. فالسودانيون المرهقون بالحرب والموت والتشريد رأوا في تلك الكلمات بصيص أمل، بينما ارتبك تجار الأزمات، خاصة منظومة “الإخوان المسلمين” التي اعتادت تحويل كل فرصة للسلام إلى ساحة صراع جديدة وحماية مصالحها بالدم والفوضى.
ترامب، بشخصيته المثيرة للجدل وطباعه الحادة، يُعد من أكثر الرؤساء الأمريكيين حضوراً وتأثيراً إعلامياً. ورغم اختلاف العالم حوله، إلا أن ما يميّزه أنه رجل قرارات مفاجئة ومباشرة، لا يخشى الاصطدام ولا يحسب كثيراً لردود الفعل. خلال فترة رئاسته، غيّر مواقف أمريكا من عدة ملفات عالمية، وانسحب من اتفاقيات كبيرة، وأطلق وعوداً صادمة، لكنه في المقابل كان قادراً على الضغط الفعّال حين يريد. وربما هذا ما يجعل كثيرين في السودان يتساءلون: هل يمكن لترامب أن يمارس الضغط على الأطراف المتحاربة ويفرض مساراً جديداً نحو السلام؟
تصريحات ترامب الأخيرة أفرحت “الغلابة التعابة” كما نقول نحن، وأزعجت بقايا “جيش الإخوان المسلمين” المعروف بتاريخه الطويل من صناعة الحروب وإجهاض فرص السلام، وبتوزيع صكوك الوطنية على من يشاءون وتجريد المخالفين من حقهم الطبيعي في حب البلاد. هؤلاء عاشوا أكثر من سبعين عاماً يعبثون بالدولة ويغرسون الانقسام ويصنعون الخراب، وكل من نادى بالسلام وصفوه بالخيانة.
إن التفات ترامب والرباعية الدولية إلى السودان خطوة مهمة، لكنها لن تكون ذات قيمة ما لم تقطع الطريق نهائياً على عودة الإخوان المسلمين إلى المشهد السياسي، لأن السودان ببساطة لا يمكنه التعايش معهم مجدداً. لقد دفع شعبنا ثمناً باهظاً من الظلم والقهر والقتل، وحان الوقت لإغلاق هذا الفصل المظلم إلى الأبد، بالسلم إن وُجد الطريق، وبالقوة إن فُرض علينا، كما يقول المثل: “الحل باليد أفضل من الحل بالأسنان”.
وعلى حكومة تأسيس أن تتمسك بثوابتها: ذهاب الكيزان بلا رجعة، ليبدأ السودان صفحة جديدة تُبنى فيها دولة فيدرالية ديمقراطية حديثة، دولة يسع صدرها للجميع دون تمييز أو عنصرية، دولة تُشبه أحلام شعبها لا كوابيس تجار الدين.
نرحّب بتصريحات ترامب والرباعية إن كانت ستجلب سلاماً حقيقياً وتُنهي تدخلات الإخوان المسلمين في مستقبل البلاد. ولن نقبل بأقل من ذلك.
نحلم باليوم الذي تتوقف فيه البنادق، ويحلّ محلها صوت الموسيقى، وتعود الحمائم البيضاء لتحلّق فوق سماء السودان حرة خفّاقة… وقريباً جداً، بإذن الله



