
- حليمة الصافي زندو
إرادة الشعوب لا تُكسر، والوعي حين يتقد لا ينطفئ. فالثورات الحقيقية تولد من رحم المعاناة، ومن رفض الظلم والهيمنة والاستبداد، لذلك لم يكن 21 أكتوبر يوماً عادياً في تاريخ السودان، بل كان علامة فارقة في مسيرة شعب قرر أن يقول “لا” للطغيان، وأن يخطّ بدمائه طريق الحرية والكرامة.
في مثل هذا اليوم من عام 1964، خرجت جموع الشعب السوداني في مظاهرات سلمية ضد نظام الفريق إبراهيم عبود، احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفساد السياسي والظلم الاجتماعي. كانت المطالب بسيطة ومشروعة، لكن السلطة واجهتها بالعنف والرصاص، لتتحول المسيرات إلى ثورة شعبية عارمة. سقط الشهيد أحمد القرشي، طالب جامعة الخرطوم، فكانت دماؤه شرارة أشعلت وجدان الأمة وكتبت فصلاً جديداً في تاريخ السودان الحديث.
تحت ضغط الشارع، سقط نظام عبود وتشكلت حكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة، لتبدأ مرحلة جديدة من الأمل في بناء وطن ديمقراطي. إلا أن غياب الرؤية السياسية منذ الاستقلال وحتى اليوم ظل لعنة تطارد السودان، وتخلق دوامة من الأزمات والانقلابات، لأن النخب التي تولت الحكم لم تمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً، بل كانت أسيرة للمصالح الذاتية والجهوية والحزبية الضيقة.
ومن رحم تلك الأخطاء التاريخية، جاءت الكوارث المتتالية: حرب الجنوب التي انتهت بانفصال جزء عزيز من الوطن، ثم الحروب الأهلية المتجددة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولاً إلى مأساة حرب 15 أبريل التي قسمت البلاد مجدداً بين حكومتين وسلطتين، وتركت وطناً منهكاً يرزح تحت وطأة الدمار والاقتتال.
لقد أثبتت التجارب أن غياب العدالة الانتقالية، وغياب الشفافية في المحاسبة، هما السبب الرئيس في تكرار الأخطاء ذاتها. فكل انتفاضة، مهما كانت عظيمة، تتحول إلى حلقة في سلسلة طويلة من الإخفاقات إن لم تُبنَ على أسس العدالة والمساءلة والمصالحة الوطنية الحقيقية.
ثورة ديسمبر المجيدة كانت الانتفاضة الثالثة في تاريخ السودان الحديث، أكدت من جديد أن إرادة الشعوب لا تموت، وأن الوعي الجمعي قادر على قلب الموازين مهما بلغت قوة الطغاة. لكنها أيضاً كشفت أن التغيير لا يُستدام ما لم يُستكمل بالمؤسسات، وأن الثورة بلا مشروع وطني تتحول إلى صراع على السلطة لا إلى بناء للوطن.
وفي ذكري أكتوبر، علينا أن نستحضر الدروس والعبر: أن الثورة ليست لحظة غضب عابرة، بل مسار وعي طويل يحتاج إلى الصبر والنزاهة والإيمان. وكما قال الشاعر أبو القاسم الشابي:
“إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.”
ستشرق شمس الحرية مهما طال ليل القهر، لأن الأوطان لا تبنى بالحياد، بل بشجاعة الرجال والنساء الذين يؤمنون بأن التغيير ممكن، وأن دماء القرشي وأرواح شهداء أكتوبر وديسمبر لم تذهب هدراً، بل هي نبراس طريق طويل نحو وطنٍ حرٍّ تسوده العدالة والكرامة.




