
د.خالد كودي، بوسطن
دَرَج نضال عبد الوهاب على التنقّل بين القروبات مروّجًا لخطابٍ مضلِّلٍ ومشوِّهٍ لمشروع السودان الجديد، وموجّهٍ في جوهره نحو استهداف الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال. وقد انتقل في الآونة الأخيرة إلى مرحلةٍ من التشويش المنظَّم على تحالف تأسيس، مستخدمًا أسلوبين متكاملين في التضليل: أولهما الخلط المتعمّد بين المفاهيم السياسية والفكرية، وثانيهما الجهل البنيوي بطبيعة عمليات التغيير الاجتماعي وتطوّر المؤسّسات المدنية والعسكرية في سياقات التحوّل اثناء الحرب والي ما بعدها.
إن ما يطرحه نضال لا يستند إلى تحليلٍ معرفيٍّ أو سياسيٍّ، بل يقوم على سوء فهمٍ مزدوج: من جهةٍ لجدلية التحوّل الثوري في المجتمعات اثناء مخاض التغيير، ومن جهةٍ أخرى لطبيعة الحركات الثورية بوصفها مشروعات تاريخية متحركة لا أحداثًا ظرفية جامدة.
في هذا المقال المقتضب تفكيكٌ لأحد النماذج الكاشفة لهذا النمط من الخطاب المراوغ والمشوَّه الذي يتبنّاه.
أولًا: تلخيص مداخلة نضال عبد الوهاب موضوع المقال:
١/ نضال عبد الوهاب طرح سؤالين/اتهامين متتابعين، يربط فيهما بين:
– خطاب حميدتي الاخير الذي ورد فيه تعبير (اتنين بس يا نصر يا شهادة) وبين الحركة الشعبية الداعية للعلمانية، متسائلًا – بخبث لا يخلو عن جهل – هل ستتبع الحركة الشعبية وصية “المجرم” حميدتي؟
– ثم زعم أن خطاب “تأسيس” كما ينطق به حميدتي هو خطاب ديني يعكس تخلّي الحركة الشعبية عن مشروعها العلماني والسياسي لصالح أجندة المليشيا! (وقد تكررت مثل هذه الفرضية من نضال وغيره.)
٢/ هذه ليست أسئلة بريئة. إنها أسئلة مفخخّة، وعلى غباءها مبنية على مغالطات تراكمية، تُظهر نضال في موقع “الواعظ الأخلاقي”، بينما هو في الواقع يمارس ما تسميه دراسات الدعاية بـ “نظرية التأثير التراكمي:
(Cumulative Effects Theory)
أي بناء سردية كاذبة عبر تراكم الأكاذيب الصغيرة حتى تصير “واقعًا شعوريًا” عند المتلقي، وهذا من بديهيات علوم الاتصال (احد مجالات عملي) .
ثانيًا: عن نظرية التأثير التراكمي في الدعاية!
تُرجِع دراسات الاتصال (خاصة منذ أعمال جوزيف كليبر وويبر عام 1965) فكرة التأثير التراكمي إلى أن الدعاية لا تُقنع دفعةً واحدة، بل تتسلل عبر التكرار والتراكم والافتراضات المسبقة.
فالدعاية – كما يوضح هارولد لازويل – لا تقول “اكذب”، بل “كرّر نصف الحقيقة حتى تُصبح كل الحقيقة”.
وهذا بالضبط ما يفعله نضال:
يبدأ بعبارات تحريضية (“المجرم حميدتي”)، ثم يبني عليها استنتاجًا زائفًا (“الحركة الشعبية تتبع خطابه الديني”)، ثم يخرج بنتيجة افتراضية (“إذن تخلّت عن مشروعها”).
هكذا تتحول الأكذوبة إلى “منطق ظاهري” يخاطب السذج لا العقول الواعية.
ثالثًا: العلمانية ليست حربًا ضد الإيمان
يجهل نضال عبد الوهاب – أو يتعمّد تجاهل الحقيقة – أن العلمانية لا تعني نفي الإيمان أو محاربته، بل تقوم على الفصل بين المجال الروحي والمجال السياسي، وعلى ضمان أن تظلّ شؤون الدولة خاضعة للعقل والمؤسسية لا للمعتقد الشخصي أو التأويل الميتافيزيقي.
في الجيوش الحديثة كافة – من الهند إلى الولايات المتحدة – الي روما القديمة نجد من يموت “في سبيل الله”، ومن يموت “في سبيل الوطن”، ومن يموت “في سبيل القيم الإنسانية”، ولا تناقض في ذلك ما دام القرار السياسي لا يُبنى على مرجعية دينية أو إيمانية لأيٍّ كان في قمة الهرم.
والحال كذلك في الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي، كغيره من جيوش التحرّر في محيطنا الجغرافي، يضم المسلم والمسيحي والكجوري واللاديني، وكلٌّ منهم يعبّر عن استعداده للتضحية بلغةٍ روحية تخصّه دون أن تُلزم غيره.
من هنا، فإنّ مقولة حميدتي “يا نصر يا شهادة” تظلّ تعبيرًا وجدانيًا فرديًا لا يلزم الحركة الشعبية او أي جندي في قوات تاسيس من قريبٍ أو بعيد، لا علميًا ولا فلسفيًا، ولا يمكن أن تُستَخدم لتحديد عقيدة دولة أو مشروع سياسي.
غير أنّ نضال – بعقله الطفولي المتذاكي – يخلط عن قصدٍ بين الدين كتجربة وجدانية والدولة كمؤسسة عقلانية، في محاولةٍ احتيالية مكشوفة لإيهام القارئ بأن الإيمان الشخصي يتعارض مع العلمانية، بينما هو – في جوهر الأمر يعيد إنتاج الجهل ذاته الذي تدّعي “المدنية” تجاوزه.
رابعًا: الثورة كصيرورة لا كحالة ثابتة
نضال يُصوّر التاريخ كأنّه لوحة ثابتة، وكأن التحالفات الثورية جامدة لا تتغير.
هذا منتهى الجهل بالتاريخ والديالكتيك.
الثورة – كما يقول هيغل وماركس وغرامشي وغيرهم كثر– ليست حدثًا بل عملية تاريخية تتغيّر فيها الذوات والأفكار والمؤسسات.
حتى “المجرم” الذي انخرط في مسار جديد يخضع – كغيره – لقوانين التفاعل والتأثر والتغيير.
الحركة الشعبية، إذن، لا تتبع الدعم السريع بل تُؤسْس لمسار جديد تُعيد فيه صياغة الجميع داخل مشروع السودان الجديد، وفق ميثاق تأسيس ودستوره الانتقالي والمبادئ فوق الدستورية.
التحالف هنا ليس تبعية، بل عملية تحويل تاريخي – وهو ما يفشل نضال في إدراكه لأن فكره ما زال أسير “البيان السياسي القديم” لا الفلسفة التاريخية، لا معرفة بديهية بكيف تتطور المجتمعات من ماضيها لمستقبلها!
خامسًا: نضال عبد الوهاب كظاهرة – الجهل النشط باسم المدنية:
نضال يمثل ظاهرة تُعرف في المعارف المعاصرة بـ “الجهل النشط”
(Active Ignorance)،
أي الجهل الذي يصرّ على الكلام ويمنح نفسه سلطة أخلاقية دون رصيد ولاهم يحزنون.
هذه الظاهرة وصفها كارل بوبر بأنها “أخطر من الجهل البسيط لأنها تتغذى على الغرور”.
ونضال هو نموذج لهذه العنطزة ال علي الريح!
– يتحدث باسم “المدنية” بينما يسوق الإقصاء والسطحية.
– يتحدث عن “العلمانية” بينما يحتال ليخلطها بالدين.
– يتحدث عن “الثورة” بينما يجهل أن الثورة تصنع التاريخ لا تحفظه في المتاحف!
المدنية عنده ليست قيم المواطنة والعقلانية، بل ديكور نخبوي يخفي كراهية دفينة لمشروع السودان الجديد الذي يهدد امتيازات النخب المدّعية من امثاله.
سادسًا: مشروع السودان الجديد ككابوس للنخب:
يهاجم نضال الحركة الشعبية لأنها المشروع الوحيد القادر على سحب البساط من تحت أقدام النخب الفاشلة التي تتسلق باسم المجتمع المدني وهي وريثة الدولة القديمة.
السودان الجديد – بمفاهيمه عن العلمانية والعدالة التاريخية وحق تقرير المصير يفضح زيف المدنية الشكليّة التي يروّجها أمثال نضال.
لذلك لا يجدون إلا التهكم والتشويه، والاحتيال لأنهم لا يملكون مشروعًا بديلًا، فيلجأون إلى “التأثير التراكمي”: تشويه الحركة الشعبية = تشويه السودان الجديد = إنقاذ امتياز النخب القديمة
سابعًا: بين الفكر والثأر الشخصي:
نضال لا ينتقد من موقع فكري منتج، بل من موقع مايعرف بالثأر الرمزي، لأن مشروع “تأسيس” جعل من كل مثقف مزيّف وفشنك – من امثاله كائنًا فائضًا عن الحاجة، تم اختبارهم فسقطوا! يعرف نضال أنه لا يملك أدوات التحليل السياسي ولا الفلسفي، فيلوذ بالثرثرة الأخلاقية والشعاراتية، وعندما يتم القبض و الرد عليهم يتباكوا مظلومية.
ثامنًا الرد على الوهم:
يا نضال،
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال لا تعمل بوصايا الأفراد، بل بمرجعية فكرية ودستورية واضحة مبذولة تستمد قوتها من الميثاق، والدستور الانتقالي، والمبادئ فوق الدستورية التي تُشكّل الأساس النظري والعملي لتحالف “تأسيس”.
أما حميدتي، فهو – كغيره من الفاعلين في التاريخ –يتغيّر تحت واقع المرحلة والتحوّل الجذري…واي تغيير هو عملية وليس حدث، ومشروع “تأسيس” لا يقوم على الأشخاص ولايمكن بل يقوم على المبدأ؛ والذين ينضوون تحته، من كمرد عبد العزيز الحلو إلى الاستاذ التعايشي أو غيرهم، يؤمنون بما يشاؤون روحيًا، لكنهم جميعًا ملزمون سياسيًا وأخلاقيًا برؤية السودان الجديد: دولة علمانية، ديمقراطية، لا مركزية، يُدار فيها الشأن العام بالعقل لا بالعقيدة الميتافيزيقية.
العلمانية ليست نفيًا للإيمان، والثورة ليست تجميدًا للتاريخ، والسياسة ليست طقسًا أخلاقيًا يديره كهنة المدنية الجدد، مهما بلغوا من براعة في المراوغة والاستعراض والاستهبال اللفظي.
أما أنت يا نضال، فتمارس ما وصفه أنطونيو غرامشي بدقة بـ “نقدٍ بلا مشروع”؛ صراخٌ يغطي العجز الفكري ويمنح صاحبه وهم احراج القادرين علي التغيير، لا أكثر!
نضال ومن لف لفه: كهنة اللاشيء!
نضال عبد الوهاب ومن على شاكلته ليسوا خصومًا للحركة الشعبية فحسب، بل خصومٌ للعقل والفكر ذاته.
يمارسون الجهل بوصفه هويةً فكريةً متقنة الصنع، ويبيعون الأخلاق كسلعةٍ سياسية موسمية، يرفعونها حين تدرّ عليهم وجاهةً أو مكسبًا، ثم يضعونها حين تهدد مصالحهم الرمزية.
يظنون أن الثورة تنتظر موافقتهم الأدبية قبل أن تتحرك، وأن التاريخ لن يكتب سطرًا من دون توقيعهم.
لكن التاريخ لا ينتظر نقّاد مستنقعات الاسافير؛ لأن السودان الجديد لن يولد من رحم النخبة، بل من آلام الشعب وصبره الطويل على الخديعة.
وليكن في علم هؤلاء أن الحركة الشعبية لتحرير السودان تعمل بوصية التاريخ لا بوصايا الأشخاص:
وصيةُ التاريخ هي أن لا يُبنى وطنٌ جديد إلا بهدم أوثان الجهل القديم، أكانت هذه الأوثان ترتدي الزيّ العسكري أم تتجمّل بشعارات المدنية الزائفة.
الخاتمة: حين يتحدث اللاشيء بصوتٍ عالٍ:
في النهاية، ليس نضال عبد الوهاب إلا عَرَضًا من أعراض زمنٍ مضطرب؛ زمنٍ يتكلم فيه الجهل بلسان النخبة، ويتخفّى فيه الفراغ في ثياب المدنية.
إنه تجسيد لما سماه ميشيل فوكو بـ “إرادة الجهل” – تلك الرغبة العميقة في البقاء خارج التاريخ مع ادعاء امتلاكه.
غير أن ما لا يدركه نضال هو أن السودان الجديد يُبنى بالفعل والوعي والشجاعة الأخلاقية.
فالتاريخ، يا نضال، لا يصغي إلى الأصوات العالية، بل إلى الأفكار التي تضع الحجر الأول في جدار الوطن القادم.
وحين تكتب الأجيال القادمة فصول هذا الوطن، لن تذكر أسماء الذين نبحوا عند بوابة التغيير، بل الذين فتحوا الابواب!
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




