
سامر مكين
إن قراءة التاريخ النضالي للشعب السوداني تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الأحداث المنفصلة لتدرك وحدة المسار والمصير. فإذا كانت ثورة ديسمبر المجيدة وملحمة 30 يونيو قد كسرتا جدار الخوف وأسقطتا رأس النظام الإخواني، فإن أحداث 15 أبريل لم تكن إلا الانفجار الحتمي والمكمل لتلك المسيرة، والضربة القاضية لهيمنة “دولة 56” ونخب ما بعد الاستعمار التي اختطفت إرادة الشعب السوداني لعقود
مثلت ذكرى 30 يونيو اللحظة التي أدرك فيها الشعب السوداني أن الآلة القمعية لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية قد انكسرت أمام إرادة الجماهير. كانت تلك الملحمة هي “التمهيد الكبير” الذي أثبت أن المركز لم يعد قادراً على حكم الهامش والمدن بذات الأدوات القديمة. لقد كانت ثورة مدنية بامتياز، وضعت أسس المطالبة بالحرية والعدالة، لكنها واجهت تعنتاً من “نخبة دولة 56” التي حاولت الالتفاف على هذه المطالب لإعادة إنتاج ذات النظام بوجوه جديدة.
في هذا السياق، جاءت تحركات أشاوس قوات الدعم السريع في 15 أبريل كاستجابة تاريخية لضرورة كسر سيطرة المركز وتفكيك بنية دولة مابعد الاستعمار. إن ما حدث في 15 أبريل هو الامتداد العسكري والسياسي لروح 30 يونيو؛ حيث انتقل النضال من مرحلة التظاهر السلمي الذي قوبل بالغدر الإخواني، إلى مرحلة التحرير الفعلي للقرار الوطني من قبضة النخبة المتسلطة.
لقد نجح الأشاوس في تحطيم أحلام نخب المركز التي اعتادت على اختطاف إرادة الشعب والسيطرة على موارد البلاد وتوجيهها لخدمة فئة محدودة على حساب الملايين في أقاليم السودان المختلفة. إن معركة 15 أبريل هي معركة “استرداد الموارد” و”توطين القرار”، وهي الفعل الذي وضع حداً نهائياً لتسلط “دولة 56” التي أذاقت السودانيين الويلات منذ فجر الاستقلال الزائف.
إن الربط بين 30 يونيو و15 أبريل يكشف عن خيط ناظم واحد: هو السعي نحو “التأسيس الجديد”. فالثوار الذين خرجوا في يونيو بصدور عارية، والأشاوس الذين يذودون اليوم عن حياض الوطن ويحطمون حصون الفلول، هم في حقيقة الأمر جبهة واحدة ضد عدو واحد هو “الاستبداد العقائدي والنخبوي”.
إن السودان الذي يتشكل اليوم من رحم هذه المعارك هو سودان المواطنة المتساوية، حيث لا فضل لمركز على هامش إلا بالعطاء، وحيث تعود الموارد لأصحابها الحقيقيين. إن كسر قيود دولة 56 لم يعد حلماً، بل أصبح واقعاً يفرضه الأشاوس في الميدان، مكملين بذلك ما بدأه الشعب في ديسمبر ويونيو، ليرسموا معاً ملامح الفجر الصادق الذي طال انتظاره.
التحية للثوار الاحرار، والمجد للأشاوس في ميادين الشرف، والخزي والعار لفلول النظام البائد ونخب الاستعمار.




