
نجم الدين دريسة
“الحرية الفردية هي حق الحياة، وهي أثمن ما يملك الإنسان، وبها وحدها ينهض العقل ويتكامل الوجود.”
الأستاذ الشهيد محمود محمد طه
يعدّ الحزب الجمهوري السوداني من أبرز التيارات الفكرية التي أسست لنهضة عقلية وروحية في الوجدان السوداني والعربي. فهو لم ينشأ كتنظيم سياسي يسعى إلى السلطة، بل كمنظومة فكرية ترى أن السياسة دون قيم العدالة والحرية تتحول إلى استبداد، وأن الدين دون وعي يتحول إلى أداة قهر. هذه الرؤية المتقدمة تعود إلى المفكر السوداني العالمي الأستاذ محمود محمد طه، الذي قدّم مشروعًا فكريًا فريدًا تجاوز حدود الزمان والمكان، وجمع بين عمق الشريعة وبصيرة الحقيقة، وبين الإيمان والعقل في توازن نادر.
لقد استطاع الأستاذ محمود أن يقدّم قراءة جديدة للنص القرآني، قراءة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وترى في الدين وسيلة لترقية الوعي لا لتكريس الطاعة العمياء. كان يدعو إلى فهم الدين في مستواه الإنساني الأسمى، حيث تتحرر النصوص من أغلال الفقه الموروث وتستعيد روحها الأصلية: الرحمة، والحرية، والعدل. وبهذا المعنى، كان فكره ثورة فكرية حقيقية ضد التقليد، وضد كل من أراد احتكار الحقيقة باسم الدين.
الحزب الجمهوري الذي ورث هذه الفكرة لم يتعامل معها كأيقونة جامدة، بل كمشروع مفتوح على الاجتهاد والتطور. فقد أسس الأستاذ محمود خطابه على قاعدة جوهرية هي أن “الفكر لا يعيش إلا بالحوار”، وأن العقل البشري في حركة دائمة لا تعرف التوقف. لذلك ظل الجمهوريون، في أصل فكرتهم، دعاة نقاش وانفتاح، مؤمنين بأن الحرية الفكرية هي أساس كل نهضة. لكن التحدي الذي يواجههم اليوم هو كيف يمكنهم أن يظلوا أوفياء لهذا المبدأ في زمن الاستقطاب والتعصب، دون أن يقعوا في فخ الانغلاق الذي حاربوه طويلاً.
ولأن الفكر الحيّ لا يسلم من العداء، فقد واجهت الفكرة الجمهورية حملات شرسة من خصوم الفكر الحر، الذين يتعاملون مع النصوص بسطحية، ويرفضون كل قراءة تحاول أن تزاوج بين العقل والإيمان. هؤلاء الذين حاربوا الأستاذ محمود لم يدركوا أن محاولتهم لإسكات صوته كانت في الحقيقة إعلانًا لولادة فكرٍ سيظل مصدر إلهام للأجيال المقبلة. فكلما ضاقوا عليه خناق الواقع، ازداد فكره رحابة واتساعًا في وجدان الناس.
إن تميز الفكر الجمهوري يكمن في أنه لم يكتفِ بطرح الأسئلة الفلسفية أو الشعارات النظرية، بل قدّم تصورًا عمليًا لإصلاح الفرد والمجتمع، ينطلق من الحرية الفردية باعتبارها جوهر الدين وغاية الخلق. فليس هناك إيمان بلا حرية، ولا عبادة بلا وعي، ولا مجتمع صالح دون احترام حق الإنسان في الاختلاف والتفكير والنقد.
وقد استطاع الأستاذ محمود محمد طه، بعمقه المعرفي وقدرته على استنطاق النص القرآني بلغة العصر، أن يفتح أمام العقل المسلم آفاقًا جديدة للفهم. فهو لم يرد أن يُلغِي الموروث، بل أن يطوره ويعيد قراءته في ضوء قيم العدالة والمساواة التي تمثل جوهر الرسالة الإلهية. ومن هنا جاءت جرأته الفكرية، التي جعلت منه رمزًا للفكر المستنير في العالم الإسلامي الحديث.
اليوم، ومع ما يشهده السودان والعالم العربي من اضطرابات فكرية وصراعات هوياتية، تزداد الحاجة إلى استلهام فكر الأستاذ محمود، لا بوصفه ماضيًا مقدسًا، بل مشروعًا مستقبليًا. فالعقلانية التي دعا إليها، والحرية التي نادى بها، ليستا ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الإنسان نفسه.
إن الحزب الجمهوري، في جوهره، ليس تيارًا سياسيًا تقليديًا، بل رسالة فكرية وإنسانية تُعيد للخطاب الديني روحه المفقودة، وتضع الإنسان في قلب مشروع الإصلاح. وإذا كان الأستاذ محمود قد مضى، فإن فكرته لا تزال تنبض في عقول من يؤمنون بأن الدين لا يُختزل في الشعائر، بل يُترجم في العدالة والكرامة والحرية.
“إن الحرية هي الصلاة الكبرى، وهي الجسر الذي يعبر به الإنسان إلى معرفة نفسه وربه.”
الأستاذ محمود محمد طه
هكذا سيبقى الحزب الجمهوري السوداني وفكر الأستاذ محمود شاهدين على أن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل طريقًا شاقًا نحو اكتمال الإنسان، ونحو مجتمع يؤمن بالعقل كما يؤمن بالروح، وبالحوار كما يؤمن بالعقيدة. فحين يتحرر الفكر، تتحرر الحياة.




